الحضري، وجعل اجيال البدو والحضر طبيعية في الوجود.
فالبداوة أصل الحضارة، والبدو أقدم من الحضر، لأنهم يقتصرون على انتحال الزراعة والقيام على الحيوان لتحصيل ما هو ضروري لمعاشهم. اما الحضر فان انتحالهم للصنائع والتجارة يجعل مكاسبهم اكثر من مكاسب أهل البدو، وأحوالهم في معاشهم زائدة على الضروري منه. واذا كانت البداوة أصل الحضارة، فان الحضارة غاية البداوة ونهاية العمران.
وللحضارة عند المحدثين معنيان احدهما موضوعي مشخص والآخر ذاتي مجرد.
اما المعنى الموضوعي فهو اطلاق لفظ الحضارة على جملة من مظاهر التقدم الأدبي، والفني، والعلمي، والتقني التي تنتقل من جيل الى جيل في مجتمع واحد او عدة مجتمعات متشابهة. تقول: الحضارة الصينية، والحضارة العربية، والحضارة الأوربية، وهي بهذا المعنى متفاوتة فيما بينها، ولكل حضارة نطاقها ( eriA) ، وطبقاتها ( sehcuoC) ولغاتها، ( seugnaL) .
فنطاقها هو حدودها الجغرافية، وطبقاتها هي آثارها المتراكمة بعضها فوق بعض في مجتمع واحد، أو في عدة مجتمعات. ولغاتها هي الأداة الصالحة للتعبير عن الأفكار السياسية والتاريخية والعلمية والفلسفية.
واما الحضارة بالمعنى الذاتي المجرد فتطلق على مرحلة سامية من مراحل التطور الانساني المقابلة لمرحلة الهمجية والتوحّش، أو تطلق على الصورة الغائية التي نستند اليها في الحكم على صفات كل فرد او جماعة، فاذا كان الفرد متصفا بالخلال الحميدة المطابقة لتلك الصورة الغائية قلنا انه متحضر، وكذلك الجماعات، فان تحضرها متفاوت بحسب قربها من هذه الصورة الغائية أو بعدها عنها.
ومع ان الصورة الغائية للحضارات مختلفة باختلاف الزمان والمكان، فان اختلافها لا يمنع من اشتراكها في عناصر واحدة. وتتألف هذه العناصر في زماننا من التقدم العلمي والتقني، وانتشار اسباب الرفاه المادي، وعقلانية التنظيم الاجتماعي، والميل الى القيم الروحية، والفضائل الاخلاقية. فالكلام على الحضارة