من اللواحق الحسية، والتغيرات الجزئية، ويرتقيان إلى أحكام كلية، وقضايا عقلية عامة. وإذا كان العلم الطبيعي ينحو منحى الرياضيات في هذا التجريد العقلي، فمرد ذلك إلى أن المعقولية الرياضية، والمعقولية الفيزيائية، شيء واحد.
3 -والحتمية بالمعنى الفلسفي مذهب من يرى ان جميع حوادث العالم، وبخاصة أفعال الإنسان، مرتبطة بعضها ببعض ارتباطا محكما.
فإذا كانت الأشياء على حالة ما في لحظة معينة من الزمان، لم يكن لها في اللحظات السابقة، أو اللاحقة، إلّا حالة واحدة تلائم حالتها في تلك اللحظة المعينة. وأصحاب هذا المذهب يرون ان لهذا العالم نظاما كليا دائما لا يشذ عنه في الزمان والمكان شيء، وان كل شيء فيه ضروري، وانه من المحال أن يكون اطّراد الأشياء ناشئا عن المصادفة والاتفاق، بل الطبيعة في نظرهم مبرأة من كل إمكان خاص، وجواز عام، ليس فيها ابتداء مطلق، ولا علة أولى، ولا طفرة، ولا معجزة.
4 -والفرق بين الحتمية والجبرية ( emsilataF) أنّ ضرورة حدوث الأشياء عند الجبريين ضرورة متعالية، متعلقة بمبدإ أعلى منها يسيّرها كما يشاء، وهو قضاء اللّه وقدره، على حين أن هذه الضرورة في نظر الحتميين كامنة في الأشياء، سارية فيها، وهي الطبيعة بعينها.
5 -وإذا كان بعض الفلاسفة الحتميين يثبتون الحرية الإنسانية، فمرد ذلك إلى محاولتهم التوفيق بين حتمية الحوادث النفسية، وتلقائية الموجود العاقل، ولكن اطلاق اسم الحرية على هذا النوع من التلقائية، أو الطوعية، لا يخلو من الالتباس، ذلك لأن الحرية تقال في نظرنا على وجهين: أحدهما سلبي، والآخر ايجابي، فاذا دلّت على المعنى السلبي، أعني اللاتقيد، واللاتعين، واللاضرورة، كانت انكارا للحتمية، وكذلك إذا دلت على المعنى الإيجابي، أعني قدرة الإنسان على خلق أفعاله بنفسه. وإذا كان بعض العلماء المعاصرين يحملون على الحتمية المطلقة حملة شعواء، ويزعمون أن قوانين العلم نسبية أو عرضية اتفاقية، فمردّ ذلك إلى اعتقادهم ان في الطبيعة مجموعات من القوى تستطيع