غيره. مثال ذلك: ان العقل يجرد امتداد الجسم من كتلته، مع ان هاتين الصفتين لا تنفكان عن الجسم في الوجود الخارجي. ومثال ذلك أيضا: إنني أستطيع أن أجرد محيط الدائرة عن سطحها، فأنظر الى محيطها تارة والى سطحها أخرى، مع أن لكل دائرة متصورة في الذهن محيطا وسطحا لا ينفكان عنها. قال (دوغالد استوارت) :
التجريد هو تقسيم ما نصيبه من معان مركبة بغية تبسيط الموضوع الذي نتناوله بالبحث. فليس التجريد إذن تقسيما حقيقيا، وإنما هو تحليل ذهني. والفرق بينه وبين التحليل ان الفكر ينظر في التحليل الى جميع صفات الشيء على حد سواء، في حين أنه لا ينظر في التجريد إلّا الى صفة واحدة من صفات ذلك الشيء. وقال (لارو ميغير- ereiugimoraL) :
الحواس آلات تجريد، فالعين تجرد اللون، والأذن تجرد الصوت الخ ..
ومعنى ذلك أن كل حاسة تنتزع صفة من صفات الجسم، وتأخذها أخذا مجردا عن الصفات الأخرى.
وهاهنا فائدة، وهي أن إدراك الشيء الخارجي ليس إدراكا بسيطا وإنما هو عمل انشائي، ومعنى ذلك أن إدراك الصفات متقدم على إدراك الشيء، ونحن إنما نؤلف معنى الشيء من صفاته المدركة بحواسنا إدراكا مباشرا. وإذا قيل إن إدراك معنى الشيء متقدم على إدراك الصفات، قلنا: لو صح ذلك لأمكن إبطال تصور الشيء بعزل صفاته بعضها عن بعض. وهذا محال.
وللتجريد درجات، فاذا نظرت الى الورقة التي أمامك، فانتزعت منها لونها أو شكلها، كان تجريدك عبارة عن فرز المجتمع في الإدراك الحسي، وهو أبسط درجات التجريد، وإذا نظرت الى اللون عامة، من دون أن يكون هذا اللون أحمر أو أزرق، أو نظرت الى الشكل عامة، من دون أن يكون هذا الشكل مستطيلا أو مربعا، لم تقتصر في ذلك على درجة الفرز أو الفرق، بل تجاوزتها الى درجة أعلى منها، ولا تزال ترتقي من تجريد أدنى الى تجريد أعلى حتى تصل الى تصور المعاني الكلية والمفاهيم العالية. لذلك