فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 1301

لغريزة في النفس جعلها فيه الالهام الالهي، واذا تعرض لحدقته بالقذى بادر فأطبق جفنيه قبل فهم ما يعرض له، وما ينبغي ان يفعل، كأنه غريزة لنفسه لا اختيار معه» (الشفاء، الفن السادس من الطبيعيات، طبعة براغ 1956، ص 178) . وقال أيضا: «و للحيوانات الأخرى، وخصوصا للطير، صناعات أيضا، فانها تصنع بيوتا ومساكن، لا سيما النحل، لكن ذلك ليس مما يصدر عن استنباط وقياس، بل عن إلهام وتسخير» (المصدر نفسه، ص 201) .

والإلهام أخص من الاعلام، لأن الاعلام قد يكون بطريق الكسب، وقد يكون بطريق التنبيه.

والالهام ليس سببا يحصل به العلم لعامة الخلق ويصلح للبرهان والالزام، وانما هو كشف باطني، أو حدس، يحصل به العلم للانسان في حق نفسه، قال (ابن سينا) : «فيمكن أن يكون شخص من الناس مؤيد النفس بشدة الصفاء وشدة الاتصال بالمبادئ العقلية، الى أن يشتعل حدسا، أعني قبولا لإلهام العقل الفعال» (الشفاء 1 - 361 والنجاة 273) .

فالإلهام عنده هو ما يلقيه العقل الفعال في نفس الانسان، والحدس هو قبول هذا الالهام. وهذا المعنى قريب من المعنى الذي ذهب اليه (ابن خلدون) في قوله: «فاعتبر ذلك، واستمطر رحمة اللّه تعالى، متى أعوزك فهم المسائل، تشرق عليك أنواره بالالهام الى الصواب» (ابن خلدون. المقدمة ص 308) .

والفرق بين الالهام والوحي أن مصدر الالهام باطني، ومصدر الوحي خارجي. بل الالهام من الكشف المعنوي، والوحي من الشهودي، لأنه إنما يحصل بشهود الملك وسماع كلامه، أما الالهام فيشرق على الانسان من غير واسطة ملك، وذلك بالوجه الخاص الذي للحق مع كل موجود.

فالالهام أعم إذن من الوحي، لأن الوحي، مشروط بالتبليغ، ولا يشترط ذلك في الالهام.

وقد فرق (ابن سينا) بين الوحي والالهام، فقال: «فمن ذلك معرفة كيفية نزول الوحي والجواهر الروحانية التي تؤدي الوحي، وان الوحي كيف يتأدى حتى يصير مبصرا أو مسموعا بعد روحانيته ...

وان الأبرار الأتقياء كيف يكون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت