والناقد البصير يقرأ والحالة هذه في هذه الآيات صفحة من حياة الرسول صلّى الله عليه وسلم الروحية وسيرته التعبدية واستغراقه في الله في الخلوات وهدأة الليل في معظمه، ويلمس ما كان لهذا من أثر في صفاء نفسه وقوة روحه. ولا سيما إذا تذكر ما كان من مثل هذه الخلوات والاعتكافات الروحية قبل بعثته صلّى الله عليه وسلّم على ما جاء في حديث البخاري عن عائشة رضي الله عنها الذي أوردناه في تفسير العلق، حيث جاء فيه فيما جاء: «ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد» ، وكان لذلك من دون ريب أثر في استعداده لتلقي وحي ربه. وكان من أسباب اصطفاء الله له لتلك المهمة.
وقد روي أن أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الأولين السابقين ما لبثوا أن اقتدوا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم في ذلك حتى صارت تنتفخ أقدامهم من قيام الليل والوقوف في الصلاة، وكان ذلك مما يزيدهم قوة وإيمانا وصفاء نفس وصلابة أمام المناوئين.
ولقد روي هذا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم نفسه في حديث رواه البخاري والترمذي