وما كان هذا سبيله كان بمعزل من أن يكونبه اعتداد ... ولا أن يجعل الذي يتعاطاه بمحل من وصف، بأنه أخذ المعنى، وذلك لأنه لا يكون بذلك صانعًا شيئًا، يستحقّ أن يدّعي من أجله واضع كلام، ومستأنف عبارة، وقاتل شعر"1."
لذلك انقسم عنده من تناول معنى متحدًا إلى قسمين: قسم يكون فيه أحد الشاعرين قد أخفق في تصويره، لأنه أتى بالمعنى غفلًا ساذجًا، وترى الآخر قد أخرجه في صورة تروق وتعجب، وقسم ترى فيه شاعرًا
منهما، قد صنع في المعنى وصور 1.
فالإمام عبد القاهر كما ترى قد قصر النظم على التصوير الأدبي، بحيث لا يتعدَّاه إلى غيره، وجعل النظم بهذه الكيفية هو الوجه في الإعجاز القرآني، لكنني أختلف معه في هذا التعميم والإطلاق، لأن النظم من وجهة نظري قد يكون حقلًا خصبًا للتصوير الأدبي؛ إذا اجتمعت فيه روافد البلاغة وعناصر الجمال في الأدب، وقد يكون النظم خاليًا من كل ذلك، فلا يكون موطنًا للتصوير الأدبي؛ فيعتمد على أسلوب علمي، ونظم كلمات دقيقة في معناها اللغوي، بحيث لا تتعدَّد المعاني في اللفظ، ولا يتراسل بالإيحاء والظلال، بل تؤدي الألفاظ في النظم معانيها اللغوية والحقيقة بدقة وإحكام، لتنتهي إلى نتيجة علمية بحتة، أو برهان عقلي يعتمد على مقدمات محدودة، ومسلمات يقينية، لا تفسح لإيحاء أو تلميح، ولا تتراسل بظلال أو أضواء، بل تكون واضحة صريحة، ونافذة دقيقة في أداء معانيها؛ فلا يستطيع أحد أن ينكر أن هذا الأسلوب العلمي قائم على النظم بين الألفاظ على النحو السابق، كما لايستطيع أحد أن يستمد من روافده صورة أدبية، أو يتولد منه تصوير أدبي بحال، وقضية النظم بهذه الكيفية والعموم عند عبد القاهر كانت أحد وجوه الإعجاز في القرآن الكريم، مما جعلني اختلف معه في إطلاقه وعمومه على النحو الذي وضحته آنفًا.