ثم يبدو ذلك الجد الصارم والهول القاصم في النطق العلوي بالقضاء الرهيب الرعيب , في اليوم الهائل , وفي الموقف الجليل: (خذوه . فغلوه . ثم الجحيم صلوه . ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه) . . وكل فقرة كأنها تحمل ثقل السماوات والأرض , وتنقض في جلال مذهل , وفي هول مروع , وفي جد ثقيل . .
ثم ما يعقب كلمة القضاء الجليل , من بيان لموجبات الحكم الرهيب ونهاية المذنب الرعيبة: إنه كان لا يؤمن بالله العظيم . ولا يحض على طعام المسكين . فليس له اليوم هاهنا حميم . ولا طعام إلا من غسلين . لا يأكله إلا الخاطئون . .
ثم يبرز ذلك المعنى في التلويح بقسم هائل , وفي تقرير الله لحقيقة الدين الأخير: (فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون . إنه لقول رسول كريم . وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون , ولا بقول كاهن , قليلا ما تذكرون . تنزيل من رب العالمين) .
وأخيرا يبرز الجد في الإيقاع الأخير . وفي التهديد الجازم والأخذ القاصم لكل من يتلاعب في هذا الأمر أو يبدل . كائنا من كان , ولو كان هو محمدا الرسول: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين . فما منكم من أحد عنه حاجزين) . . فهو الأمر الذي لا تسامح فيه ولا هوادة ولا لين . .
وعندئذ تختم السورة بالتقرير الجازم الحاسم والقول الفصل الأخير عن هذا الأمر الخطير: (وإنه لتذكرة للمتقين . وإنا لنعلم أن منكم مكذبين . وإنه لحسرة على الكافرين . وإنه لحق اليقين . . فسبح باسم ربك العظيم) . . وهو الختام الذي يقطع كل قول , ويلقي بكلمة الفصل , وينتهي إلى الفراغ من كل لغو , والتسبيح باسم الله العظيم . .
ذلك المعنى الذي تتمحض السورة لإلقائه في الحس , يتكفل أسلوبها وإيقاعها ومشاهدها وصورها وظلالها بإلقائه وتقريره وتعميقه بشكل مؤثر حي عجيب: