ويبرز في مصارع المكذبين بالدين وبالعقيدة وبالآخرة قوما بعد قوم , وجماعة بعد جماعة , مصارعهم العاصفة القاصمة الحاسمة الجازمة: كذبت ثمود وعاد بالقارعة . فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية , وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية . سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما , فترى القوم فيها صرعى , كأنهم أعجاز نخل خاوية . فهل ترى لهم من باقية ? وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة , فعصوا رسول ربهم , فأخذهم أخذة رابية . إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية , لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية . . وهكذا كل من تلفت عن هذا الأمر أخذ أخذة مروعة داهمة قاصمة , تتناسب مع الجد الصارم الحاسم في هذا الأمر العظيم الهائل , الذي لا يحتمل هزلا , ولا يحتمل لعبا , ولا يحتمل تلفتا عنه من هنا أو هناك !
ويبرز في مشهد القيامة المروع , وفي نهاية الكون الرهيبة , وفي جلال التجلي كذلك وهو أروع وأهول: (فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة . وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة , فيومئذ وقعت الواقعة ,وانشقت السماء فهي يومئذ واهية . . والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) . .
ذلك الهول . وهذا الجلال . يخلعان الجد الرائع الجليل على مشهد الحساب عن ذلك الأمر المهول . ويشاركان في تعميق ذلك المعنى في الحس مع سائر إيقاعات السورة وإيحاءاتها . هو وما بعده من مقالة الناجين والمعذبين: فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول:هاؤم اقرؤوا كتابيه . إني ظننت أني ملاق حسابيه . . فقد نجا وما يكاد يصدق بالنجاة . . (وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول:يا ليتني لم أوت كتابيه , ولم أدر ما حسابيه . يا ليتها كانت القاضية . ما أغنى عني ماليه . هلك عني سلطانيه) . . بهذا التفجع الطويل , الذي يطبع في الحس وقع هذا المصير . .