كما ذكرنا آنفاً، يتكون الجزء العظيم من الذرة من الفراغ· وهذا يدعو الجميع إلى التفكير في السؤال نفسه: لماذا يوجد مثل هذا الفراغ؟ دعونا نفكر تتكون الذرة، بتعبيرات بسيطة، من نواة تدور حولها إلكترونات، ولا يوجد شيء آخر بين النواة والإلكترونات وفي الواقع، تعتبر هذه المسافة الميكروسكوبية''التي لا يوجد فيها شيء'' مسافة كبيرة بالمقياس الذري ويمكننا أن نضرب مثلا على هذا المقياس على النحو التالي: إذا كانت رخامة صغيرة قطرها سنتيمتر واحد تمثل الإلكترون الأقرب إلى النواة، ستكون النواة على بعد كيلومتر واحد من هذه الرخامة (5) ويمكننا أن نستشهد بالمثال التالي لتوضيح هذا الحجم بشكل أكبر في أذهاننا: يوجد فراغ كبير بين الجسيمات الأساسية وإذا اعتبرتُ بروتون نواة ذرة الأكسجين هو رأس الدبوس الموجود على الطاولة أمامي، فسيرسم الإلكترون الذي يدور حوله دائرة تمر بهولندا وألمانيا وأسبانيا (يعيش كاتب هذه السطور في فرنسا) ومن ثم، إذا تجمعت كل الذرات المكونة لجسدي معاً بحيث أصبحت متقاربة إلى حد تستطيع معه ملامسة بعضها البعض، لن تتمكن من رؤيتي أبداً وفي الواقع، لن تتمكن أبداً من رؤيتي بالعين المجردة، لأنني سأكون آنذاك في صغر جسيم الغبار الدقيق الذي يبلغ حجمه بضع أجزاء من ألف جزء من المليمتر''·18 وعند هذه النقطة، ندرك أن هناك تشابها بين أكبر الفراغات المعروفة في الكون وأصغرها فعندما ندير أعيننا نحو النجوم، نرى مرة أخرى فراغاً مشابها للفراغ الموجود في الذرات، إلا أن الفراغات الموجودة بين النجوم وبين المجرات تبلغ بلايين الكيلومترات· ومع ذلك، يسود في كلا هذين النوعين من الفراغات نظام يتخطى حدود فهم العقل البشري.