كقوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ 11} فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ {12} [فصلت] .
وهذا رجوع من الغيبة إلى خطاب النفسِ فإنه قال: (وزينا) بعد قوله: (ثم استوى) وقوله: (فقضاهن) (وأوحى) .
والفائدة في ذلك أن طائفة من الناس يعتقدون أن النجوم ليست في سماء الدنيا، وأنها ليست حفظاً ولا رجوماً.
فلما صار الكلام إلى ههنا عدل به عن خطاب الغائب إلى خطاب النفس، لأنه مهم من مهمات الاعتقاد، وفيه تكذيب للفرقة المكذبة المعتقدة بطلانه، وفي خلاف هذا الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الغيبة
ومما ينخرط في هذا السلك أيضاً الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الجماعةِ كقوله تعالى: {وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس:22]
وإنما صرف الكلام عن خطاب نفسه إلى خطابهم، لأنه أبرز الكلام لهم في معرض المناصحةِ، وهو يريد مناصحتهم ليتلطف بهم ويداريهم، لأن ذلك أدخل في إمحاض النصح، حيث لا يريد لهم إلاّ ما يريد لنفسه.
وقد وضع قوله: {وما لي لا أعبد الذي فطرني} مكان قوله: {وما لكم لا تعبدون الذي فطركم}
ألا ترى إلى قوله: {وإليه ترجعون} ولولا أنه قصد ذلك لقال:"الذي فطرني وإليه أرجع"
وقد ساقه ذلك المساق إلى أن قال: {إني آمنت بربكم فاسمعون} .