ومثل هذا ربنا رضي له شيئاً من الصفاء، فكان الشياطين ينزلون عليه ويُوحون إليه بأشياء من استراق السمع قبل بعثته صلى الله عليه وسلم، وقيل أنْ تُغلَق السماء في وجوههم، فكانوا يغرُّون الناس بأشياء فيها قليل من الحقيقة وكثير من الباطل يزيدونه من عندهم فيضلونهم.
وهؤلاء الكهان كانت لهم كلمة مسموعة، وكان الناس يستشيرونهم ويأخذون برأيهم في كلِّ أمور دينهم ودنياهم.
وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبعد ما يكون عن هذه الصفة، كذلك نفى عنه صفة الجنون، والمجنون الذي لا عقلَ له، ولا يستطيع أنْ يُرتِّب الأشياء ولا أنْ يُدبر حركة حياته.
فهل شاهدتم شيئاً من هذا على رسول الله، وقد عُرِفَ بينكم برجاحة العقل وحُسْن التصرف والصدق والأمانة؟ كيف وقد مدحه الله بقوله
{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] .
وقوله سبحانه: {فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ ..} [الطور: 29] أي: أن نعم الله عليك كثيرة، ومنها أنك لستَ كما يقول، لا كاهن ولا مجنون، أو ذكِّر بنعمة ربك لا بنعمة الكاهن ولا بنعمة المجنون، ثم ينفي عنه تهمة أخرى، فيقول:
{أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ}
قالوا عن رسول الله بعد أنْ أعيتهم الحيل ولم يجدوا صَدىً لقولهم: كاهن ومجنون قالوا (شاعر) ولم يفلحوا في هذه أيضاً، لأن رسول الله جاء في أمة أفصح ما يكون. عندهم مَلكة البلاغة ودقّة الأداء اللغوي والبياني، فهم أدرى الناس بالشعر، ويعرفون أن ما جاء به محمد وما يتلوه عليهم ليس شعراً وما جرَّبوا عليه شيئاً من هذا قبل بعثته.
لذلك قال تعالى في إبطال دعواهم:
{قُل لَّوْ شَآءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [يونس: 16] .
أين عقولكم المفكرة، فقد عشْتُ بين أظهركم أربعين سنة ما جرَّبتم عليَّ قول الشعر، فهل تفجَّر عندي بعد الأربعين، ومعلوم أن العبقريات تأتي في العقد الثاني من العمر.
ثم ما الذي كان يضمن لي أن عندي عبقرية تأتي بهذا الكلام قبل أنْ أموت؟ ثم أنا لا أقول لكم هذا كلامي أنا.
إنما هو من عند الله بوحي من الله لا يُعطى لكاهن، لأن الكاهن إنما يتلقَّى عن الشياطين
{وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ ..} [الأنعام: 121] ولا يُعطى لمجنون، ولا يُعطى لساحر ولا لشاعر.