والثاني باطل؛ لأن خلقهم أنفسهم يستلزم اجتماع وجودهم وعدمهم معا حال الخلق، وإنه محال؛ لأن كونهم أثرا يقصد إخراجه إلى الوجود يقتضي عدمهم، وكونهم مؤثرا يقتضي وجودهم؛ فتعين الثالث، وهو أن غيرهم خلقهم وهو الصانع القديم، وهذه الآية التي لما سمعها جبير بن مطعم من النبي صلّى الله عليه وسلّم يتلوها في صلاة المغرب قال: «كاد ينخلع لها
قلبي» (1) أو كما قال؛ لأنه فهم منها هذا الاستدلال، وهو بالسبر والتقسيم.
{أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ} (36) [الطور: 36] ، دليل آخر على ذلك، وهو أن السماوات والأرض أثر فلا بد له من مؤثر، ثم ذلك المؤثر إما هي أو هم أو غيرهما، والأولان باطلان فتعين الثالث وهو الصانع القديم، وهو أيضا سبري تقسيمي، ولذلك جعلنا تأثيرهما في وجودهما داخلا في التقسيم ليكون تاما لا ناقصا، ويقطع على أنه مراد من الآية لذلك، إذ الله - عز وجل - لا يحتج بدليل [ناقص ولا فاسد] .
{أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ} (37) [الطور: 37] هذا جواب عما تضمنه إنكارهم لنبوته صلّى الله عليه وسلّم/ [400 ل] من إنكار اختصاصه عليهم بالنبوة، وأنه لو اختص بها دونهم لزم الترجيح بلا مرجح، فأجيب بأن المرجح فضل الله - عز وجل - ورحمته، وليست خزائن الرحمة عندكم و [لا] بأيديكم حتى تتحجروا منها واسعا عن الخلق، وهذا / [193 أ/م] السؤال وجوابه قد سبق في مواضع.
{أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ} (39) [الطور: 39] هذا إنكار لقول الكفار: «الملائكة بنات الله - عز وجل -» وقد تضمن الجواب: بأنكم استأثرتم بالأكمل، وجعلتم لربكم - عز وجل - ما هو أنقص، وهو خلاف الأدب والعدل، فإذا لم يكن بد من سوء الاعتقاد فهلا تأدبتم وآثرتموه بالأكمل، أو جعلتم له مثل ما جعلتم لكم.