ينهون عن أكل وعن شرب. .. أي يتناهون في السمن من كثرة الأكل والشرب وحقيقته يصدر تناهيهم في السمن من الأكل والشرب وكذلك يصدر إفكهم عن القول المختلف. ثم دعا عليهم بقوله {قتل الخرّاصون} أي الكذابون المقدرون ما لا يصح وهم المعهودون وأعم فيشملهم شمولاً أولياً. ولا يراد بهذا الدعاء وقوع القتل بعينه بل اللعن وما يوجب الهلاك بأي وجه كان. وقد لا يراد إلا تقبيح حال المدعو كقوله {قتل الإنسان ما أكفره} والغمرة كل ما يغمر الإنسان أي إنهم في جهل يغمرهم غافلون عما أمروا به {أيان يوم الدين} أي متى وقوعه؟ ثم أجاب بقوله {يوم هم} أي يقع في ذلك اليوم. ومعنى {يفتنون} يحرقون ويعذبون. ثم وبخهم وتهكم بهم قائلاً {ذوقوا} إلى آخره. وحين حكى حال الفاجر الشقي أراد أن يبين حال المؤمن التقي فقال {إن المتقين في جنات وعيون} أي في جنات فيه عيون حال كونهم {آخذين ما آتاهم ربهم} قال جار الله: قابلين لكل ما أعطاهم راضين به لا كمن يأخذ شيئاً على سخط وكراهية. وقال غيره: أراد أنهم يأخذونه شيئاً فشيئاً ولا يستوفون ذلك بكماله لامتناع استيفاء ما لا نهاية له. وقيل: الأخذ بمعنى التملك يقال: بكم أخذت هذا كأنهم اشتروها بأنفسهم وأموالهم. قال: إن فيض الله تعالى لا ينقطع أصلاً وإنما يصل إلى كل مكلف بقدر ما استعد له ، فكلما ازداد قبولاً ازداد تأثراً من الفيض والأخذ في هذا المقام لعله إشارة إلى كمال قبولهم للفيوض الإلهية ، وذلك لما أسلفوا من حسن العبادة ووفور الطاعة ولهذا علله بقوله {إنهم كانوا قبل ذلك محسنين} أي في الدنيا وظهر عليهم بعد قطع التعلق آثار الإحسان ونتيجته. وقوله {ما آتاهم} على المضي لتحقق الإيتاء مثل {ونادى} [الأعراف: 38] {وسيق} [الزمر: 72] وقال أهل العرفان: ما آتاهم في الأزل يأخذون نتائجه في الأبد. ثم فسر إحسانهم بقوله {كانوا قليلاً من الليل يهجعون} "ما"صلة أي كانوا