فقوله تعالى هنا: (حَم) يعني: حروف مُقطَّعة في بداية بعض سور القرآن هي غيب نؤمن به ونترك معناه لمنْزله سبحانه {تَنزِيلُ الْكِتَابِ ..} [الجاثية: 2] هذا هو المشهد، وفي السورة قبلها (حم) غَيْب
{وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ} [الدخان: 2] مشهد.
{إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ..} [الدخان: 3] يعني: الاثنان الغيب والمشهد مُنزّل من عند الله، فهما سواء في التعبد لله تعالى، فكما تعبَّدك بالواضح المفهوم تعبَّدك بالغيب الذي لا تفهمه، وكُل ما هنالك أننا نحوم حولها، نحاول أنْ نستشفّ بعض أسرارها.
لذلك نقول: إن القرآن كله مبنيٌّ على الوَصْل في الآيات وفي السور، حتى أن آخر كلمة في سورة الناس موصولة بأول كلمة في الفاتحة، فنقول: {مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ بِسمِ الله الرَّحْمانِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وهكذا.
لذلك نُسمِّي قارئ القرآن (الحالّ المرتحل) يعني: ما يكاد ينتهي من القرآن حتى يبدأ من أوله.
أما الحروف المقطّعة في أوائل السور فمبنيةٌ على الوقْف تقول: حا، ميم، ألف لام ميم، في حين أنك لا تقف على نفس الحروف في
{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح: 1] .
إذن: لكل نطق علَّة وله أسرار، فهو أشبه بأسنان المفتاح الذي يفتح لك، فمفتاح يفتح لك بسِنٍّ واحد، ومفتاح يفتح لك بسنِّيْن، ومفتاح يفتح لك بثلاثة.
وقوله: {مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [الجاثية: 2] اختار هنا اسم العزيز، لأن القرآن سينزل وسوف تجد من القوم مَنْ يكذِّبه، فلا تهتم لذلك ولا يغرَّنك تكذيبهم، فالله مُنزل هذا الكتاب عزيز لا يُغلب، وهذه العزة ليستْ بقهر، إنما عزة بحكمة {الْحَكِيمِ} [الجاثية: 2] والحكيم: هو الذي يضع الشيء في موضعه المناسب.
{إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لأيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ}
قوله تعالى: {إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ..} [الجاثية: 3] جعل السماوات والأرض ظرفاً فلا تنظر إلى السماوات والأرض في ذاتها، بل انظر لما فيهما من الآيات والأسرار، فهي مليئةٌ بالآيات التي يجلِّيها الله لوقتها، وكلما تفتحتْ العقول وتطوَّرتْ العلوم ظهر لنا آية من آيات الله في السماوات والأرض.