الثاني: أنَّ ما ذكرتُم إنما يصارُ إليه إذا قام الدليلُ السالمُ عن المُعارِض المقاوِم أنها جنةُ الخُلد بعينها، وحينئذٍ يتعيَّن المصيرُ إلى ما ذكرتم. فأما إذا لم يَقُم دليلٌ سالمٌ على ذلك، ولم تُجْمِع الأمَّةُ عليه، فلا يسوغُ مخالفةُ ما دلَّت عليه النصوص البيِّنة بغير مُوجِب، والله أعلم.
قالوا: ومما يدلُّ على أنها ليست جنةَ الخُلد التي وُعِدَها المتَّقون أنَّ الله سبحانه لما خلق آدم أعلَمه أنَّ لِعُمْرِه أجلًا ينتهي إليه، وأنه لم يخلقه للبقاء.
ويدلُّ على هذا ما رواه الترمذيُّ في"جامعه"قال: حدثنا محمد بن بشَّار، قال: حدثنا صفوان بن عيسى: حدثنا الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذُباب، عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرة رضي الله عنه
قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لما خلقَ اللهُ آدمَ ونفخَ فيه الروحَ عَطَس، فقال: الحمد لله، [فحمد الله] بإذنه، فقال له ربُّه: يرحمُك الله يا آدم، اذهب إلى أولئك الملائكة، إلى ملإٍ منهم جلوس، فقل: السلام عليكم. فقالوا: وعليك السلام. ثم رجع إلى ربِّه، فقال: إنَّ هذه تحيَّتك وتحيَّةُ بنيك بينهم."
فقال الله له- ويداه مقبوضتان-: اختر أيتهما شئت. فقال: اخترتُ يمين ربيِّ- وكلتا يدي ربي يمينٌ مباركة-، ثم بسَطها، فإذا فيها آدمُ وذريته، قال: أي ربِّ، ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك. فإذا كلُّ إنسانٍ مكتوبٌ عمره بين عينيه، فإذا رجلٌ أضوؤهم- أو: مِن أضوئهم-، قال: يا ربِّ، من هذا؟ قال: هذا ابنك داود، وقد كتبتُ له عمر أربعين سنة. قال: يا ربِّ، زِدْ في عمره. قال: ذاك الذي كتبتُ له. قال: أي ربِّ، فإني قد جعلتُ له من عمري ستِّين سنة. قال: أنت وذاك.
قال: ثم أُسْكِنَ الجنةَ ما شاء الله، ثمَّ أُهبِط منها، وكان آدمُ يَعُدُّ لنفسه، فأتاه ملكُ الموت، فقال له آدم: قد عجلتَ، أليس قد كُتِبَت لي ألفُ سنة؟! قال: بلى، ولكنك جعلتَ لابنك داود ستِّين سنة. فجَحَدَ فجحدَت ذريتُه، ونسي فنسيَت ذريتُه.
قال: فمِن يومئذٍ أُمِرَ بالكتاب والشهود"."
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه، ورُوِي من غير وجهٍ عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.