فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 36229 من 466147

فعلمَ سبحانه ما في طبيعته من الضَّعف والخَوَر، فاقتضت حكمتُه أنْ أدخلَه الجنة ليعرفَ النعيمَ الذي أُعِدَّ له عيانًا؛ فيكون إليه أشوَق، وعليه أحرَص، وله أشدَّ طلبًا؛ فإنَّ محبةَ الشيء وطلبه والشَّوق إليه من لوازم تصوُّره، فمن باشر طِيبَ شيءٍ ولذَّته وتذوَّق به لم يكد يصبرُ عنه؛ وهذا لأنَّ النفسَ ذوَّاقةٌ توَّاقة، فإذا ذاقَت تاقَت، ولهذا إذا ذاق العبدُ طعمَ الإيمان وخالطت بشاشتُه قلبَه رسخَ فيه حبُّه، ولم يُؤْثِر عليه شيئًا أبدًا.

وفي"الصحيح"من حديث أبي هريرة رضي الله عنه المرفوع:"إنَّ الله عزَّ وجلَّ يسألُ الملائكة، فيقول: ما يسألني عبادي؟ فيقولون: يسألونك الجنة، فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا يا ربِّ، فيقول: كيف لو رأوها؟ فيقولون: لو رأوها لكانوا أشدَّ لها طلبًا".

فاقتضت حكمتُه أنْ أراها أباهم وأسكنَه إيَّاها، ثم قَصَّ على بنيه قصَّتَه فصاروا كأنهم مشاهِدون لها حاضرون مع أبيهم، فاستجاب من خُلِقَ لها وخُلِقَت له، وسارع إليها، ولم يَثْنِه عنها العاجلة، بل يَعُدُّ نفسَه كأنه فيها ثم سَباه العدوُّ، فيراها وطنه الأوَّل وقد أُخرِجَ منه، فهو دائمُ الحنين إلى وطنه،

لا يقرُّ قرارُه حتى يرى نفسه فيه، كما قيل:

نَقِّل فُؤادكَ حيثُ شئتَ من الهوى ... ما الحُبُّ إلا للحبيبِ الأوَّلِ

كم منزلٍ في الأرضِ يَألَفُه الفتى ... وحنينُه أبدًا لأوَّلِ منزلِ

ولي من أبياتٍ تُلِمُّ بهذا المعنى:

وحيَّ على جنَّاتِ عدنٍ فإنها ... منازلُك الأولى وفيها المُخَيَّمُ

ولكنَّنا سبيُ العدوِّ فهل تُرى ... نعودُ إلى أوطانِنا ونُسَلَّمُ

* فسِرُّ هذه الوجوه أنه سبحانه وتعالى سبق في حُكمه وحكمته أنَّ الغاياتِ المطلوبة لا تُنال إلا بأسبابها التي جعلها اللهُ أسبابًا مفضيةً إليها، ومن تلك الغايات أعلى أنواع النعيم وأفضلُها وأجلُّها، فلا تُنال إلا بأسبابٍ نَصَبَها مفضيةً إليها.

وإذا كانت الغاياتُ التي هي دون ذلك لا تُنال إلا بأسبابها- مع ضعفها وانقطاعها-، كتحصيل المأكول والمشروب والملبوس والولد والمال والجاه في الدنيا؛ فكيف يُتَوهَّم حصولُ أعلى الغايات وأشرف المقامات بلا سببٍ يفضي إليه؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت