وذهل الزجاج والمبرد إلى أن الفعل الواقع بعد"إن"الشَّرطية المؤكِّدة بـ"ما"يجب تأكيده بالنون، قالا: ولذلك لم يأت التَّنْزيل إلاّ عليه، وذهب سيبويه إلى أنَّه جائز لا واجب؛ لكثرة ما جاء به منه فِي الشعر غير مؤكَّد، فكثرة مجيئه غير مؤكَّد يدلُّ على عدو الوجوب؛ فمن ذلك قوله: [الطويل]
فَإِمَّا تَرَيْنِني كَابْنِةِ الرَّمْلِ ضَاحِياً ... عَلَى رِقَّةٍ أخْفَىَ وَلاَ أَتَنَعَّلُ
وقولُ الآخر: [البسيط]
يَا صَاحِ إمَّا تَجِدْنِي غَيْرَ دِي جِدةٍ ... فَمَا التَّخَلِّي عَنِ الخُلاَّنِ مِنْ شِيَمِي
وقول الآخر: [المتقارب]
فَإِمَّا تَرَيْنِي وَلِي لِمَّةٌ ... فَإنَّ الحَوادِثَ أوْدَى بِهَا
وقول الآخر: [الكامل]
زَعَمَتْ تُمَاضِرُ أنَّنِي إمَّا أَمُتْ ... يَسْدُدْ أُبَيْنُوهَا الأَصَاغِرُ خَلَّتِي
وقال المهدوي:"إما"هي"إن"التي للشرط زيدت عليها"ما"ليصحّ دخول"النّون"للتوكيد فِي الفعل، ولو سقطت"ما"لم تدخل النّون، و"ما"تؤكّدا أول الكلام، والنون نؤكد آخره، وتبعه ابن عطية.
وقال بعضهم: هذا الذي ذهبا إليه من أن النّون لازمة لفعل الشرط إذا وصلت"إن"بـ"ما"هو مذهب المُبَرّد والزَّجَّاج، وليس فِي كلامهما ما يدلُّ على لزوم"النُّون"كما ترى، غاية ما فيه أنهما اشترطا فِي صحّة تأكيده بالنون زيادة"ما"على"إن"، أما كون التوكيد لازماً، وغير لازم، فلم يتعرضا له، وقد جاء تأكيد الشرط بغير"إن"؛ كقوله: [الكامل]
مَنْ يُثْقَفَنْ مِنْهُمْ فَلَيْسَ بِآئِبِ ... أبَداً وَقَتَلُ بَنِي قُتَيْبَةَ شَافِي
و"مني"متعلق بـ"يأتين"وهي لابتداء الغاية مجازاً، ويجوز أن تكون فِي محل حال من"هدى"لأنه فِي الأصل صفة نكرة قدم عليها، وهو نظير ما تقدم فِي قوله: {مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ} [البقرة: 37] .