فإذا لم تكُنْ الصداقة داخلة في الحميمية ، فلن يسأل صديق عن صديقه ، كما قالت تعالى: {يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وصاحبته وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امرئ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس: 3437] .
وقد أثارت مسألة الشفاعة لغطاً كثيراً من المستشرقين الذين يريدون تصيّد المآخذ على القرآن الكريم ، فجاء أحدهم يقول: تقولون إن القرآن معجزة في البلاغة ، ونحن نرى فيه المعنى الواحد يأتي في أسلوبين ، فإنْ كان الأول بليغاً فالآخر غير بليغ ، وإنْ كان الثاني بليغاً فالأول غير بليغ ، ثم يقول عن مثل هذه الآيات: إنها تكرار لا فائدة منه .
ونقول له: أنت تنظر إلى المعنى في إجماله ، وليس لديك الملَكة العربية التي تستقبل بها كلام الله ، ولو كانت عندك هذه الملَكة لما اتهمتَ القرآن ، فكل آية مما تظنه تكراراً إنما هي تأسيس في مكانها لا تصلح إلا له .
والآيتان محل الكلام عن الشفاعة في سورة البقرة ، هما متفقتان في الصدر مختلفتان في العَجْز ، أحدهما:
{واتقوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً} [البقرة: 48] .
والأخرى:
{واتقوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً} [البقرة: 123] .
إذن: فصدْر الآيتين متفق ، أما عَجُز الأولى: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} [البقرة: 48] .
وعَجُز الأخرى: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ} [البقرة: 123] فهما مختلفتان .