وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ، إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ.
وقد قطع - تعالى - الإلحاق في استغفاره لأبيه، فقال: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ: إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، كَفَرْنا بِكُمْ، وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ، إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ: لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ...
وَلا تُخْزِنِي أي: ولا تفضحني يَوْمَ يُبْعَثُونَ أي: يوم تبعث عبادك في الآخرة للحساب، بل استرني واجبرني وتجاوز عن تقصيرى.
يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ من أحد لديك.
إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ أي: واسترني - يا إلهى - ولا تفضحني يوم القيامة، يوم لا ينتفع الناس بشيء من أموالهم ولا من أولادهم، ولكنهم ينتفعون بإخلاص قلوبهم
لعبادتك. وبسلامتها من كل شرك أو نفاق، وبصيانتها من الشهوات المرذولة. والأفعال القبيحة.
وهكذا نرى في قصة إبراهيم: الشجاعة في النطق بكلمة الحق، حيث جابه قومه وأباه ببطلان عبادتهم للأصنام.
ونرى الحجة الدامغة التي جعلت قومه لا يجدون عذرا يعتذرون به عن عبادة الأصنام سوى قولهم: وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ.
ونرى الثناء الحسن الجميل منه على ربه - عز وجل -: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ. وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ. وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ.