والمراد بالإحياء في قوله: وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ إعادة الحياة إلى الميت يوم القيامة أي: ومن صفات رب العالمين الذي أخلص له العبادة، أنه - سبحانه - الذي بقدرته وحده أن يميتني عند حضور أجلى، ثم يعيدني إلى الحياة مرة أخرى يوم البعث والحساب.
وجاء العطف ب ثُمَّ في قوله ثُمَّ يُحْيِينِ لاتساع الأمر بين الإماتة في الدنيا والإحياء في الآخرة.
ثم ختم إبراهيم هذه الصفات الكريمة بقوله: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ أي: وهو وحده الذي أطمع أن يغفر لي ذنوبي يوم ألقاه لأنه لا يقدر على ذلك أحد سواه - عز وجل - .
وفي هذه الآية أسمى درجات الأدب من إبراهيم مع ربه - سبحانه - ، لأنه يوجه طمعه في المغفرة إليه وحده، ويستعظم - عليه السلام - ما صدر منه من أمور قد تكون خلاف الأولى، ويعتبرها خطايا، هضما لنفسه، وتعليما للأمة أن تجتنب المعاصي، وأن تكون منها على حذر وأن تفوض رجاءها إلى الله - تعالى - وحده.
وبعد أن أثنى إبراهيم - عليه السلام - على ربه بهذا الثناء الجميل، أتبع ذلك بتلك الدعوات الخاشعات فقال: رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً أي: علما واسعا مصحوبا بعمل نافع.
وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ من عبادك الذين رضيت عنهم - ورضوا عنك، بحيث ترافقنى بهم في جنتك.
وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ أي: واجعل لي ذكرا حسنا، وسمعة طيبة، وأثرا كريما في الأمم الأخرى التي ستأتى من بعدي.
وقد أجاب - سبحانه - له هذه الدعوة، فجعل أثره خالدا، وجعل من ذريته الأنبياء والصالحين، وعلى رأسهم سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم.
وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ أي: واجعلنى في الآخرة عند ما ألقاك - يا ربي - للحساب، من عبادك الذين أكرمتهم بدخول جنتك وبوراثتها فضلا منك وكرما.
وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ عن طريق الحق، فإنى قد وعدته بأن استغفر له عندك - يا إلهى - .
قال ابن كثير: وهذا مما رجع عنه إبراهيم - عليه السلام - كما قال - تعالى -: