74 - {قَالُوا} ما رأينا منهم ذلك السمع أو النفع أو الضر {بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ} : منصوب بقوله: {يَفْعَلُونَ} وهو مفعول ثان لـ {وَجَدْنَا} ؛ أي: وجدناهم يعبدون مثل عبادتنا، فاقتدينا بهم، اعترفوا بأنها بمعزل من السمع والمنفعة والمضرة بالكلية، واضطروا إلى إظهار أن لا سند لهم سوى التقليد.
والاستفهام في قوله: {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ} للتقرير؛ أي: فإنها إذا كانت لا تسمع ولا تنفع ولا تضر فلا وجه لعبادتها، فإذا قالوا: نعم هي كذلك أقروا بأن عبادتهم لها من باب اللعب والعبث، وعند ذلك تقوم الحجة عليهم، فلما أورد عليهم الخليل هذه الحجة الباهرة لم يجدوا لها جوابًا إلا رجوعهم إلى التقليد البحت، وهو أنهم وجدوا آباءهم كذلك؛ أي: يفعلون هذه العبادة لهذه الأصنام مع كونها بهذه الصفة التي هي سلب السمع والنفع والضر عنها، وهذا الجواب هو العصي التي يتوكأ عليها كل عاجز، ويمشي بها كل أعرج، ويغتر بها كل مغرور، وينخدع لها كل مخدوع.
75 -وفي الآية: دليل على إبطال التقليد في الدين وذمه، ومدح الأخذ بالاستدلال {قَالَ} إبراهيم متبرئًا من الأصنام {أَفَرَأَيْتُمْ} والهمزة فيه للاستفهام التوبيخي المضمن للإنكار، داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف. ورأى؛ إما بصرية تتعدى لمفعول واحد، أو علمية بمعنى عرف تتعدى لمفعول واحد أيضًا، والتقدير: أنظرتم فأبصرتم، أو تأملتم فعلمتم
76 - {مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) } ؛ أي: الأولون حق الإبصار، أو حق العلم، فإن الباطل لا ينقلب حقًا بكثرة فاعليه، وكونه دأبًا قديمًا، و {مَا} موصولة عبارة عن الأصنام،
77 -و {الفاء} في: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي} تعليلية؛ أي: فأنا لا أعبدها؛ لأنها عدو لي؛ أي: هل تأملتم ما كنتم تعبدونه أنتم وآباؤكم، فعلمتم أنها لا تنفع ولا تضر، ولا تستحق العبادة، وأنا لا أعبدها معكم؛ لأنها عدو لي إلا رب العالمين. وقيل: أرأيتم بمعنى أخبروني؛ أي: أخبروني عن حال ما كنتم تعبدون هل هي تنفع، أو تضر، أم لا، أو أخبروني ما كنتم تعبدون هل هو حقيق بالعبادة أم لا، وهذا استهزاء بعبدة الأوثان.