وقد أجابه تعالى حيث قال: {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} قال أبو عبد الله الرازي: وإنما قدّم قوله: {هب لي حكماً} على قوله: {وألحقني بالصالحين} ، لأن القوة النظرية مقدمة على القوة العملية ، لأنه يمكنه أن يعلم الحق ، وإن لم يعمل به ، وعكسه غير ممكن ، لأن العلم صفة الروح ، والعمل صفة البدن ، وكما أن الروح أشرف من البدن ، كذلك العلم أفضل من الإصلاح.
انتهى.
ولسان الصدق ، قال ابن عطية: هو الثناء وتخليد المكانة بإجماع من المفسرين.
وكذلك أجاب الله دعوته ، فكل ملة تتمسك به وتعظمه ، وهو على الحنيفية التي جاء بها محمد (صلى الله عليه وسلم) .
قال مكي: وقيل معنى سؤاله أن يكون من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق ، فأجيبت الدعوة في محمد عليه السلام ، وهذا معنى حسن ، إلا أن لفظ الآية لا يعطيه إلا بتحكم على اللفظ. انتهى.
ولما طلب سعادة الدنيا ، طلب سعادة الآخرة ، وهي جنة النعيم ، وشبهها بما يورث ، لأنه الذي يقسم في الدنيا شبه غنيمة الدنيا بغنيمة الآخرة ، وقال تعالى: {تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقياً} ولما فرغ من مطالب الدنيا والآخرة لنفسه ، طلب لأشد الناس التصاقاً به ، وهو أصله الذي كان ناشئاً عنه ، وهو أبوه ، فقال: {واغفر لأبي} ، وطلبه المغفرة مشروط بالإسلام ، وطلب المشروط يتضمن طلب الشرط ، فحاصله أنه دعا بالإسلام.
وكان وعده ذلك يوضحه قوله: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو الله} أي الموافاة على الكفر تبرأ منه.
وقيل: كان قال له إنه على دينه باطناً وعلى دين نمروذ ظاهراً ، تقية وخوفاً ، فدعا له لاعتقاده أن الأمر كذلك ، فلما تبين له خلاف ذلك تبرأ منه ، ولذلك قال في دعائه: {واغفر لأبي إنه كان من الصالحين} .
فلولا اعتقاده أنه في الحال ليس بضال ما قال ذلك.