ومن الضرب الثاني آية الشعراء فإنه ذكر فيها جوابهم بقوله تعالى مخبراً عنهم: (قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ) (الشعراء: 71) ، ثم لما سألهم ، عليه السلام ، تقريعاً لهم وتوبيخاً فقال: (هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ) (الشعراء: 72 - 73) جاوبوا بقولهم: (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) (الشعراء: 74) .
ومن الضرب الثالث قصة شعيب ، عليه السلام ، في سورة هود وأشباهها ، وتأمل القصص الواردة في القرآن تجدها جارية على ما ذكرته ، فلما كان في آية الصافات دعاء إبراهيم ، عليه السلام ، لهم مبيناً حالهم الشنيع وسيء مرتكبهم ممتد الإطناب فيما يقطع بهم من قوله: (أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ) (الصافات: 86) وقوله: (قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ) (الصافات: 95) ، وعيوا بالجواب ولم يحك عنهم غير قولهم: (قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ) (الصافات: 97) ، ناسب ذلك زيادة اسم الإشارة ، ولما كانت آية الشعراء واردة على غير هذا النهج ناسب سقوط اسم الإشارة فقيل: (ما تعبدون) ولم يقل (ماذا) كما في آية الصافات ، ومن المفهوم عن العرب أن المستفهم إذا قصد التقريع والتوبيخ أطال كلامه إدلاء بحجته وتعنيفاً لمن يخالفه ، والمقهور أبداً محصور.
وقوله: (ما تعبدون) جملة تقدم فيها المفعول وهو ما الاستفهامية ، فهو في موضع نصب بالفعل بعدها ، وقوله في الآية الأخرى: (ماذا) استفهام أيضاً ركبت فيه (ما) مع اسم