وفي ذلك أن التجارة بالنية الصالحة، ومراعاة الشريعة فيها واجتناب المحظور خلق نبوي وكسب طيب.
وقد روى أبو نعيم عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: وقف سائل على باب داود عليه السلام فقال: يا أهل بيت النبوة، ويا معدن الرسالة! تصدقوا علينا بشيء رزقكم الله رزق التاجر المقيم في أهله، فقال داود: أعطوه فوالذي نفسي بيده إنها لفي الزبور.
قلت: يحتمل أنه أراد الدعاء لهم بأن يرزقهم الله رزق التاجر المقيم في أهله بأن يتعاطوا التجارة مع الإقامة والراحة فيربحون؛ وعليه: فإقرار داود عليه السلام لهذا الدعاء دليل على استحسان التجارة مع الإقامة بدون معاناة سفر ومُقاساة حل وترحال، كيف وقد أكد ذلك بأنه في الزبور مع الإقسام على ذلك.
ويحتمل أنه أراد الدعاء بحصول مطلق الرزق مع الراحة والإقامة كراحة التاجر المقيم في أهله وربحه، أو بحصوله شيئًا فشيئاً في كل يوم رزق جديد مع الراحة وعدم الكلفة وعدم تحمل للأسفار والضرب في البلاد، وهذا رفق عظيم.
ويروى لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه: من الرجز
أَفْلَحَ مَنْ كانَ لَهُ قَوْصَرَّة ... يَأْكُلُ مِنْها كُلَّ يَوْمٍ تَمْرة
* تَنْبِيْهٌ أَيْضاً:
ليس الاكتساب والطلب لإغناء النفس وكفاية العيال من طلب الدنيا، فيكون بهذه النية مذموماً.
قال الماوردي في"أدب الدين والدنيا": حكى مقاتل أن إبراهيم عليه السلام قال: يا رب! حتى] متى أتردد في طلب الدنيا؟ فقيل له: أمسك عن هذا، فليس طلب المعاش من طلب الدنيا، انتهى.
وروى عبد بن حميد، وابن مردويه، وابن عساكر عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قلت: يا رسول الله! كم أنزل الله من كتاب؟
قال:"مِئَةُ كِتَابٍ وَأَرْبَعَةُ كُتُبٍ، أَنْزَلَ عَلَىْ شيث خَمْسِيْنَ صَحِيْفَةً، وَعَلَىْ إِدْريسَ ثَلاَثِيْنَ صَحِيْفَةً، وَعَلَىْ إِبْرَاهِيْمَ عَشْرَ صَحَائِفَ، وَعَلَىْ مُوْسَى قَبْلَ التَّوْرَاةِ عَشْرَ صَحَائِفَ، وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيْلَ وَالزَّبُوْرَ وَالفُرْقَانَ".
قلت: يا رسول الله! فما كانت صحف إبراهيم؟