اذهبا {فأتيا فرعون} فأخبراه بمهمتكما في غير حذر ولا تلجلج: {فقولا: إنا رسول رب العالمين} وهما اثنان ولكنهما يذهبان في مهمة واحدة برسالة واحدة. فهما رسول. رسول رب العالمين. في وجه فرعون الذي يدعي الألوهية ، ويقول لقومه: {ما علمت لكم من إله غيري} فهي المواجهة القوية الصريحة بحقيقة التوحيد منذ اللحظة الأولى ، بلا تدرج فيها ولا حذر. فهي حقيقة واحدة لا تحتمل التدرج والمداراة.
{إنا رسول رب العالمين. أن أرسل معنا بني إسرائيل} .. وواضح من هذا ومن أمثاله في قصة موسى عليه السلام في القرآن ، أنه لم يكن رسولاً إلى فرعون وقومه ليدعوهم إلى دينه ويأخذهم بمنهج رسالته. إنما كان رسولاً إليهم ليطلب إطلاق بني إسرائيل ليعبدوا ربهم كما يريدون. وقد كانوا أهل دين منذ أبيهم إسرائيل وهو يعقوب أبو يوسف عليهما السلام فبهت هذا الدين في نفوسهم ، وفسدت عقائدهم فأرسل الله إليهم موسى لينقذهم من ظلم فرعون ويعيد تربيتهم على دين التوحيد.
وإلى هنا نحن أمام مشهد البعثة والوحي والتكليف. ولكن الستار يسدل. لنجدنا أمام مشهد المواجهة. وقد اختصر ما هو مفهوم بين المشهدين على طريقة العرض القرآنية الفنية:
{قال ألم نُرَبِّكَ فِينا وليداً ، ولبثت فينا من عمرك سنين؟ وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين؟ قال: فعلتها إذن وأنا من الضالين. ففررت منكم لما خفتكم ، فوهب لي ربي حكماً وجعلني من المرسلين. وتلك نعمه تمنها علي أن عَبَّدتَّ بني إسرائيل} .