{فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ} إلى مدين {فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً} فهماً وعلماً {وَجَعَلَنِي مِنَ المرسلين * وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ} .
اختلف العلماء في تأويلها ، ففسّرها بعضهم على إقرار وبعضهم على الإنكار ، فمن قال: هو إقرار قال: عدّها موسى نعمة منه عليه حيث ربّاه ولم يقتله كما قتل غلمان بني إسرائيل ، ولم يستعبده كما استعبد وتركني فلم يستعبدني وهذا قول الفرّاء ، ومن قال هو إنكار قال: معناه وتلك نعمة على طريق الاستفهام كقوله {هذا رَبِّي} [الأنعام: 76 - 78] وقوله {فَهُمُ الخالدون} [الأنبياء: 34] وقول الشاعر: هم هم ، وقال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة:
لم أنس يوم الرحيل وقفتها ... ودمعها في جفونها عرق
وقولها والركب سائرة ... تتركنا هكذا وتنطلق
وهذا قول مجاهد ، ثم اختلفوا في وجهها فقال بعضهم: هذا ردّ من موسى على فرعون حين امتنّ عليه بالتربية فقال: لو لم تقتل بني إسرائيل لربّاني أبواي فأيّ نعمة لك عليَّ؟
وقيل: ذكره إساءته إلى بني إسرائيل فقال: تمنُّ عليَّ أن تربّيني وتنسى جنايتك على بني إسرائيل.
وقيل: معناه كيف تمنُّ علي بالتربية وقد استعبدت قومي؟ ومن أُهين قومه ذّل ، فتعبيدك بني إسرائيل قد أحبط إحسانك إليَّ.
وقال الحسن: يقول: أخذت أموال بني إسرائيل وأنفقت منها عليَّ واتّخذتهم عبيداً.
وقوله سبحانه {أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ} أي اتّخذتهم عبيداً ، يقال: عبّدته وأعبدته ، وأنشد الفرّاء:
علام يعبّدني قومي وقد كثرتْ ... فيهم أباعر ما شاؤوا وعبدان
وله وجهان: أحدهما: النصب بنزع الخافض مجازه: بتعبيدك بني إسرائيل
والثاني: الرفع على البدل من النعمة.
{قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ العالمين} وأيّ شيء ربّ العالمين الذي تزعم أنّك رسوله إليَّ؟