كل ما ينبته عن الماء فهو عن موجود الجنة، ثُمَّ قال: (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) أي: مما هو
عن الجنة كأبيكم آدم - عليه السَّلام - إذ قال له ربه - جلَّ جلالُه -:(اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا
مِنْهَا)المعنى، ثم أخرجهما منها وأخلف لهما مثالها يأكلان منها
وذريتهما.
كما قال - عز من قائل: (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ) أي: مما أنزله
عليكم وأفتحه لكم من رحمتي (إِلَى حِينٍ) يعني: آخر العمر، أي:
ثم تنقسم العباد بعد فيما بعد الموت وفي الدار الآخرة إلى ما عهد به إليهم من قوله
الحق: (يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ
فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (35) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ
أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (36) .
وفيه اعتبار آخر وهو أنا إذا أكلنا مما هو عن الجنة بفتح رحمته - جل ذكره -
ومما هو أيضًا عن جهنم بواسطة فيحها، فإذا أكلنا من ذلك خلقنا منهما - أعني:
الجنة والنار - وما هو الدار الآخرة فالجور إذًا إلى الدار الآخرة واجب إلى جنتها
ونارها، فبوجود الوفاء بالعهد إلى الجنة وإلى النار بضد ذلك، نسأل الله رحمته
وعافيته في ذلك للمعهود من أنه من خلق عن شيء عاد إليه، كما قال - عز من
قائل: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ) وقال: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ
وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104) .
ألا ترى أن آدم - عليه السلام - لما خلق من الدنيا وجب في وجود الحكمة أن يرجع
إليها ظهر ذلك في معهود يخاطب الملأ الأعلى، حيث"تحاج آدم وموسى عند"
ربهما - عزَّ جلاله - قال له موسى: أنت الذي أخرجت ذريتك من الجنة، فقال له
آدم - عليهما السلام: بكم وجدت الله كتب علي أن يخرجني إلى الدنيا، قال: قبل
أن يخلقني بأربعين سنة، قال: فتلومني على أمر كُتب عليَّ قبل أن أخلق بأربعين
سنة، قال: فحاج آدم موسى"."