الاشتداد يسمى ضوء وإذا زال الاشتداد يسمى نورًا فلا اجتماع في زمن واحد من جهة
واحدة، وأما الإشكال بأن النَّار جوهر لطيف مضيء بالذات فلا يطلق عَلَى ما قام بها من
الكيفية نور بل يطلق ضوء فقط عَلَى هذا الفرق من أن الضوء ما قام بالشيء لذاته والنور
ما قام بالمضيء لغيره وتوجيه كلامه هنا مبني عليه كما عرفت وقد صرح به بعض
المحشيين فلا كلام في متانة هذا الإشكال لكن يمكن الاعتذار بأن مراد الْمُصَنّف بيان
اشتداد الضوء وزيادته وضعف النور بالنسبة إلَى الضوء من غير نظر إلَى كونه قائمًا بالمضيء
لذاته أو لغيره وفيه بعد لا يخفى ويمكن توجيه كلامه بأن صاحب الكشف ذهب إلَى أن
الضوء فرع النور يطلق عَلَى الشعاع المنبسط والنور يطلق عَلَى الشيء في نفسه كالنور القائم
بالشمس والضوء أبلغ منه وإن كان فرعًا لأن الإبصار بالْفعْل إنما يتأتى بمدخلية الضوء ولا
يكفي فيه النور؛ إذ النور القائم بالشيء إنما يبصر به نفس ذلك الشيء لا غير. وأما رؤية ما
سواه فهي بتوسط الضوء الفائض ومن هذا تبين أن جعل الشمس سراجًا أبلغ من جعل
القمر نورًا لأن الأولى وصفت لأنها يبصر بها الأشياء فإن ذلك شأن السراج والثانية بأنها
وصف يبصر ويهتدى به فافهم، ولا يخفى أن الأصل إذا عدم يعدم ما يتفرع عليه فلذا قيل:
(ذَهَبَ اللَّهُ بنُورهمْ) حين أريد زوال ذلك عنهم بالكلية كذا في السالكوتي
وفيه خلل. أما أولًا فلأنه شرح لا يطابق المشروح فإن الشَّيْخَيْن اعتبرا الزّيَادَة في الضوء لا
ما ذكره فأنى يصح إثبات الزّيَادَة في الفرع، وأما ثانيًا فلأنه قد سره أَشَارَ إلَى رده بقوله
إطلاق كل واحد من الضوء والنور عَلَى الآخر مَشْهُور فيما بين الْجُمْهُور فلا ينافي الفرق
المأخوذ من اصْطلَاح البلغاء عَلَى ما ذكره ولا المأخوذ من اصْطلَاح الحكماء وهو أن
الضوء ما يكون للشيء لذاته والنور ما يكون من غيره انتهى. أَشَارَ إلَى أن ما ذكره صاحب
الكشف قول منقول عن ابن السكيت مخالف لقول الْجُمْهُور فلا يعبأ به وإن كلا منهما
كالمترادفين والفرق إنما نشأ من الاسْتعْمَال أو الاصْطلَاح لا من أصل الوضع واللغة
والظَّاهر من كلام الْمُصَنّف هنا وصرح به في سورة يونس أن الفرق هُوَ المأخوذ من
اصْطلَاح الحكماء، وأما قول صاحب الكشف ولهذا يقع عَلَى الذوات الْجَوْهَريّة بخلاف
الضوء فظاهره أنه مبني عَلَى أن أصل مسمى النور وحقيقته جسم نوراني فهو مخالف لما
صرح به الْجُمْهُور من أنه عرض قائم بالجسم، وأما إطلاق النور عليه تَعَالَى فلا يصح عليه
تَعَالَى إلا بالتأويل كما حققه الْمُصَنّف في سورة النور، وأما ثالثًا فلأن ما ذكره مخالف لما
ذكره الْمُصَنّف في سورة النور من أن النور كيفية تدركها الباصرة أولًا وبواسطتها سائر
المبصرات كالكيفية الفائضة من النيرين عَلَى الأجرام الكثيفة المحاذية لهما.