دون الضوء إلا أنه لما كان الضوء مقتضى النَّار كأنه ذكر أولًا ثم عدل عنه (إلَى النور) وكرر
لفظ لذلك أي لقصد المُبَالَغَة لأن وجه إفادة المُبَالَغَة في الْمَعْطُوف غير الوجه الذي في
الْمَعْطُوف عليه فإن الوجه هناك إسناد الإذهاب إليه تَعَالَى مع تعديته الْفعْل بالباء وهنا اختيار
النور عَلَى الضوء والعلة في كليهما أنية وعكسه دليل لمي (فإنه لو قيل ذهب الله بضوئهم) .
قوله: (بما في الضوء من الزّيَادَة وبقاء ما يسمى نورًا والغرض إزالة النور عنهم رأسًا)
وهذا بناء عَلَى ما قاله في سورة يونس. وقيل ما بالذات ضوء كما للشمس وما بالعرض نور
كما للقمر فإن نوره مُسْتَفَاد من الشمس، ولا يخفى أن ما بالذات أقوى مما وإن بالعرض
ولذا قال هنا بما في الضوء من الزّيَادَة أي عَلَى النور وقال صاحب المواقف القائم
بالمضيء لذاته هُوَ الضوء كالشمس وما عدا القمر من الكواكب والقائم بالمضيء لغيره
نور كما في القمر ووجه الْأَرْض قال تَعَالَى: (جَعَلَ الشَّمْسَ ضيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا)
انتهى. ولا ريب في دلالته عَلَى ما في الضوء من الزّيَادَة لكن هذا يقتضي تباين الضوء
والنور وعدم اجتماعهما وما ذكره هنا يقتضي اجتماعهما في مادة؛ إذ المزيد من جنس المزيد
عليه، وَأَيْضًا المفروض هُوَ النَّار وفيها اجتمع الضوء والنور والْجَوَاب أنه بالحيثيتين من حيث
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
وطمسه أصلًا ألا ترى كَيْفَ ذكر عقيبه وتركهم في ظلمات والظلمة عبَارَة عن عدم النور وانطماسه
وكَيْفَ جمعها وكَيْفَ نكرها وكَيْفَ اتبعها ما يدل عَلَى أنها ظلمة لا يتراءى فيها شبحان وهو قوله:
(لا يبصرون) قال الإمام الظلمة عدم الضوء عَمَّا من شأنه الضوء وذلك لأن الشيء
الذي انتفى عنه الضوء صار مظلمًا فتكون الظلمة عدم ملكة النور وقال الشيرازي زيادة عَمَّا من
شأنه النور دعوى غير مسموعة والذي ذكره الزَّمَخْشَريّ هُوَ المطابق للغة وعليه المحققون من
الصوفية والإشراقيين. وقال الفاضل أكمل الدين الدعوى المجردة عن الدليل غير مسموعة وعدم
السماع عند الدليل مكابرة قائم لأنهما متقابلان قطعًا وكل متقابلين إما أن يكونا نقيضين أو العدم
والملكة أو ضدين أو مضافين بالاستقراء التام وليسا بنقيضين بالاتفاق ولا مضافين كَذَلكَ فهما إما
ضدان أو عدم ملكة وعدم الملكة هُوَ عدم الشيء عَمَّا من شأنه أن يكون له وهو مذهب الْمُتَكَلّمينَ
وذهب الأشاعرة إلَى أنه عرض ينافي النور يعني أنه أمر وجودي والتقابل بَيْنَهُمَا تقابل التضاد
الحقيقي وهو أن يكون بين الضدين غاية الخلاف كالسواد والبياض واستدلوا عَلَى ذلك بقوله
تَعَالَى: (وجعل الظلمات والنور) فإنه يدل عَلَى أنهما مخلوقان. وأُجيب بأن معناهما
قدرهما كما قَالُوا في قَوْله تَعَالَى (خلق الموت والحياة) وهذا لأنه لو كان موجودا
لوجب أن يرى الجالس في الظلمة نارًا توقد بقربه ضرورة وجود الظلمة المانعة عن الإبصار
واللازم باطل ثم قال وقال شيخي العلامة رحمه الله الظلمة التي تحيط بالمرئي هي المانعة عن
الإبصار دون الظلمة المحيطة بالرائي ثم قال أكمل الدين وأقول الظلمة مشبه الطبع فلا يختلف
الإفراد في مقضياتها.