ولو قيل أقيم المفرد مقام الجمع لورد إشكال إفراد استوقد أَيْضًا لأن المعتبر الْمَعْنَى واللفظ
ذريعة إليه، وأما الْقَوْل بأنه إن الذي له استعملان في كلام العرب أحدهما أن يكون مفردًا
والآخر أن يعم المفرد وغيره كمن في الموصولات فمع أن ثبوته غير مسلم يخالف كلام
الْمُصَنّف ويستوي فيه الواحد والجمع، كما أن الاحتمالين الأولين يخالفه مع أن الْمُتَبَادَر من
كلامه أن الْمُخْتَار عنده أن ليس له جمع كأخواتها وإن كان ما ذكر من الْوُجُوه يوافق بعض
كلامه كما ستعرفه واختار الْمُصَنّف أن المحوج إلَى التوجيه هُوَ الضَّمير في بنورهم لا تشبيه
الجماعة بالواحد كما ذهب إليه الزَّمَخْشَريّ فإنه جعله منشأ للتوجيه فأشار بالعدول عنه إلَى
الاعتراض عليه بأنه لا ريب في صحة تشبيه حال الجماعة بحال الواحد وليس هنا تشبيه
الذوات بالذوات حتى يتوهم الاعتراض بأنه كَيْفَ مثلت الجماعة بالواحد .. وأُجيب بأن الذي
بمعنى الَّذينَ فكلا الطرفين جماعة وبعد بيان الْمُرَاد بقوله. والْمَعْنَى حالهم الخ. لا وجه
للسؤال الْمَذْكُور واعتذاره قدس سره بأن الأصل يقتضي رعاية المطابقة بين الحالين في
كونهما للواحد أو للجماعة فإن المماثلة حِينَئِذٍ أقوى والتشبيه أقرب إلَى القبول ضعيف إذ
النظر إلَى الحالين سواء للجماعة أو للواحد معًا أو للمخلفين، أَلَا [تَرَى] إلَى قَوْلُه تَعَالَى:(مَثَلُ
الَّذينَ حُمّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْملُوهَا كَمَثَل الْحمَار يَحْملُ أَسْفَارًا)حيث شبه منه
حال الجماعة بحال المفرد وحمل الحمار عَلَى الجنس المتحقق في ضمن الجمع عدول عن
النهج القويم عَلَى أنه يجوز أن يشبه جماعة بواحد لجواز أن يكون صفة واحدة مشتركة بين
جماعة وواحد وذلك الواحد لكونه أعرف بتلك الصّفَة وأشهر بها جعل مشبهًا به والجماعة
مشبهة، وقد قدر في محله أن وجه الشبه الذي هي الصّفَة كونها مشتركة كاف في التشبيه.
قوله: (كما في قَوْله تَعَالَى:(وَخُضْتُمْ كَالَّذي خَاضُوا) والتشبيه في
مجرد كون الذي بمعنى الَّذينَ والداعي إلَى ذلك كون الصلة جمعًا في هذه الآية. (إن جعل
مرجع الضَّمير في ( [بنورهم] ) وكون الضَّمير الراجع إليه جمعًا فيما نحن فيه
ولا يضره كون صلتيهما مختلفتين مفردا وجمعًا.
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: إن جعل مرجع الضَّمير في (بنورهم) أي جعل الذي بمعنى الَّذينَ إنما
يحتاج إليه إن جعل الذي مرجع ضمير الجمع في (ذَهَبَ اللَّهُ بنُورهمْ) لأنه هُوَ الذي
[ألجأ] إلَى هذا التوجه، وأما إذا جعل مرجع الضَّمير الْمُنَافقينَ فلا. وتلخيصه أن هذا التوجه إنما يحتاج
إليه لو جعل جواب لما ذَهَبَ اللَّهُ بنُورهمْ؛ إذ [حِينَئِذٍ] يتعين رجوع الْمُنَافقينَ في (بنورهم) إلَى الذي دون
الْمُنَافقينَ ورجوع ضمير الجمع إلَى المفرد يدعي تأويلًا. وأما إذا كان جواب لما مَحْذُوفًا تقديره
خمدت ناره وجملة (ذَهَبَ اللَّهُ بنُورهمْ) اسْتئْنَافًا مبينًا لوجه تشبيه حال الْمُنَافقينَ بحال
من (استوقد نارًا) ثم انطفأت ناره يكون ضمير الجمع فيما أُضيف إليه النور للْمُنَافقينَ
فـ [حِينَئِذٍ] لا يحتاج إلَى جعل الذي بمعنى الدين بجواز تمثيل حال الجماعة بحال الواحد من غير تأويل كما
في قَوْله تَعَالَى: (مثل الَّذينَ حملوا التَّوْرَاة) الآية. وفي جعل موجب وضع الذي
مَوْضع الَّذينَ رجوع الضَّمير الجمع في (بنورهم) إلَى الذي دون امتناع تمثيل الجماعة بالواحد
بحسب الظَّاهر إيماء إلَى رد كلام الكَشَّاف في جعل الموجب اتباع ذلك من حَيْثُ الظَّاهر.