هو أنهم عقيب حصول مباشرة المقصود وقوة الرجاء وقعوا في حيرة الحرمان وتيه الخيبة
والخسران وهذا معنى مشترك بين الطرفين جزما وسيجيء من الْمُصَنّف البيان الشافي لكن
بعض المحشيين لما تعرض له هنا شرحًا وجرحًا أشرنا إلَى ما هُوَ الظَّاهر من كلامه الآتي.
قوله: (والذي بمعنى الَّذينَ) يعني أن لفظة الذي يعم وضعًا للمفرد وغيره وبمعونة
القرينة يتعين الْمُرَاد فهو هنا بمعنى الجمع بقرينة رجوع ضمير نورهم أشار إليه بقوله إن
جعل مرجع الخ. نظيره من وما في الموصولات فإنه يعم المفرد وغيره والتعيين من القرينة
هذا ما هُوَ الظَّاهر من كلامه فحِينَئِذٍ كون استوقد نارًا مفردًا نظرًا إلَى لفظه كما كان كَذَلكَ
في لفظة من كقَوْله تَعَالَى: (ومن يطع الله ورسوله فأُولَئكَ) الآية. جمع
أُولَئكَ نظرًا إلَى الْمَعْنَى وأفرد يطع نظرًا إلَى اللَّفْظ وهذا كثير في النظم الجليل جدًا فكذا
هنا فلو جعل مخفف الَّذينَ لأشكل إفراد استوقد. والْجَوَاب بأنه وإن كان جمعًا حَقيقَة إلا أنه
مفرد صورة فجاز إفراد الضَّمير نظرًا إلَى صورته ضعيف؛ إذ الاعتبار بالْحَقيقَة والتشبث
بالاحتمال الضعيف في أفصح الْكَلَام مما يتحاشى عنه العلماء الأعلام، فالأولى جعله كمن
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: والذي بمعنى الَّذينَ توجيه لتمثيل الجماعة بالواحد وهذا وإن كان تمثيل حاله بحال وهو
صحيح جائز مُطْلَقًا كما في قَوْله تَعَالَى(مَثَلُ الَّذينَ حُمّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْملُوهَا كَمَثَل الْحمَار يَحْملُ
أَسْفَارًا)فإنه تمثيل لحال الجماعة بحال الواحد ولقَوْله تَعَالَى(يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ
الْمَغْشيّ عَلَيْه)فإنه تشبيه لنظر الجماعة ينظر الواحد لكن كمال البلاغة يقتضي رعاية
المطابقة بين الحالين في كونهما للواحد أو للجماعة ولذلك تعرض لوجه وقوع صورة الواحد فما
أُضيف إليه الحال الممثل لها وهو لفظ الذي فسقط بهذا اعتراض القطب عَلَى عبَارَة صاحب الكَشَّاف
قال فإن قلت: كَيْفَ مثلت الجماعة بالواحد وقال القطب لا توجيه لهذا السؤال لأنه فسر المثل بالحال
العجيبة وصرح بأن معنى الآية. أن حالهم العجيبة كحال (الذي استوقد نارا) والتمثيل
ليس إلا تمثيل حال الجماعة بحال الواحد لا تمثيل الجماعة بالواحد قال القطب فإن قلت: لما مثلت
حال الجماعة بحال الواحد قد مثلت الجماعة بالواحد فنقول إما أن يستلزم تمثيل الحال بالحال تمثيل
الجماعة بالواحد أو لا فإن استلزم لم يتوجه الْجَوَاب الأخير وهو قوله عَلَى الْمُنَافقينَ وذواتهم لم
يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد إنما شبهت قصتهم بقصة المستوقد وإن
لم يستلزم لم يتوجه السؤال قطعًا .. وقال الفاضل أكمل الدين في جوابه إن حال الجماعة إن كانت
واحدة فتمثيلها بحال الواحد لا يستلزم تمثيل الجماعة بالواحد وهو توجيه الْجَوَاب الأخير وإن كانت
متعددة استلزم تمثيلها بحال الواحد تشبيه الجماعة بالواحد ويوهم ذلك توجيه السؤال وتلخيص
التوجيه أنه وضع الذي مَوْضع الَّذينَ كقَوْله تَعَالَى(وَالَّذي جَاءَ بالصّدْق وَصَدَّقَ به أُولَئكَ هُمُ
الْمُتَّقُونَ)وكقوله وإن الذي حانت بفلج دماؤهم، وأما الاستشهاد بقوله:(وَخُضْتُمْ
كَالَّذي خَاضُوا)فإنما يتم لو كان ضمير الْفَاعل في خاضوا عبَارَة عن الذي ويكون
الْمَعْنَى وخضتم مشبهين بالَّذينَ خاصوا أو خضتم خوضًا مثل خوض الَّذينَ خاضوا. وأما إن كان
الضَّمير الراجع إلَى الذي مَحْذُوفًا والتقدير وحضتم خوضًا مثل الخوض الذي خاضوه فتوحيد الذي
على الْقيَاس. فإن قيل لو وضع الذي مَوْضع الَّذينَ لقيل استوقدوا كما الذي خاضوا، أجيب بأن الذي
لفظه مفرد وإن كان في الْمَعْنَى جمعًا فتوحيد الضَّمير إنما هُوَ بالنظر إلَى إفراد اللَّفْظ.