حالهم ناطق به، والْمُرَاد بالقصة ما يحكى عنه (مثل قَوْلُه تَعَالَى:(مَثَلُ الْجَنَّة الَّتي وُعدَ
الْمُتَّقُونَ)الآية) أي فيما قصصنا عليك من العجائب والغرائب قصة الجنة
العجيبة الشأن ثم شرع في بيان عجائبها (وقَوْلُه تَعَالَى:(ولله المثل الأعلى)
أي الوصف الذي له شأن وعظمة مثال للصفة كما أن قَوْلُه تَعَالَى: (مثل الجنة التي)
الآية. مثال للقصة ومثال الحال هذه الآية. ولذا لم يذكر لها مثالًا كذكره
لأخويه بل قال. والْمَعْنَى حالهم ثم إن هذه الألفاظ متحدة بالذات مختلفة بالاعتبار فإطلاق
الحال باعْتبَار قابليتها للانتقال والتحول وإطلاق القصة لكونها محكية حَقيقَة أو حكما
وإطلاق الصّفَة لقيامه بمَوْصُوفه، أَلَا [تَرَى] أن الْمُصَنّف قال في قَوْله تَعَالَى: (ومن النَّاس)
وقصة الْمُنَافقينَ عن آخرها مَعْطُوفة عَلَى قصة المصرين كما أطلق هنا حالهم
العجيبة وتفسير قَوْلُه تَعَالَى: (مَثَلُ الْجَنَّة الَّتي وُعدَ الْمُتَّقُونَ) قال أي صفتها
التي هي مثل في الغرابة في سورة الرعد وفي مَوْضع آخر فسره بالقصة وكلامه هنا بناء عَلَى
تفسيره بالصّفَة كما نبه عليه بعض الأفاضل حيث قال أي فيما قصصنا عليك من العجائب
قصة الجنة انتهى. فعلم اسْتعْمَال كل منها في مَوْضع الآخر [وعموم] إطلاق الحال عَلَى صفة
الملك المتعال لمانع آخر فجمع الشيخان بينها بلفظة (أَوْ) للتغاير الاعتباري لا للتغاير الذاتي
والْمُرَاد بالصّفَة هنا هي الصفات المتعددة كما هُوَ مقتضى إطلاق المثل عليها وتعبيرها به
قال الْمُصَنّف في تفسير قَوْلُه تَعَالَى: (ولله المثل الأعلى) وهو الوجوب
الذاتي والغنى المطلق والوجود الفائق والنزاهة عن صفات المخلوقين انتهى. والظَّاهر أنه تنبيه
على ذلك؛ إذ تعبير الصّفَة الواحدة بالمثل إما غير متحقق أو نادر وأطلق أَيْضًا عَلَى الصفات
المذمومة في قَوْله تَعَالَى: (للَّذينَ لا يُؤْمنُونَ بالْآخرَة مثل السوء) الآية. فعلم
أن الشأن والغرابة عام وإن كان شائعًا في الأحوال الممدوحة العجيبة فتأمل وكن عَلَى بصيرة.
ولبعض أرباب الحواشي مقال في توجيه العطف بكلمة (أو) يتعجب منه أولو الأبصار.
قوله: (والْمَعْنَى حالهم العجيبة الشأن) مضافة إلَى الشأن (كحال من استوقد نارًا) أي
كحاله العجيب الشأن اكتفى بذكره أولًا قد أشرنا إلَى أن الْمَعْنَى الثالث للمثل هُوَ الْمُرَاد هنا
وذكر الأولين لتوضيح الْمَعْنَى الْمُرَاد ولتتميم المرام ووجه إليه ملتئم من أمور عديدة
وطرفاه مركبان والوجه هُوَ أنهم لما دخلوا في الْإسْلَام ظاهرًا كادوا أن ينتفعوا بالْإسْلَام
والدخول في دار السلام كما أن المستوقد نار أقرب من أن ينجو عن ظلمة الليل فلما
أطفئ ناره وقع في حيرة وشدة بعد أن يكاد يجتهد في خلاصه عن ظلمة شديدة فشبه حال
الْمُنَافقينَ من الحيرة والشدة بما يكابد بحال من طفئت ناره بعد إيقاده في الظلمة. والحاصل
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: (مثل الجنة) الآية. أي وفيما قصصنا عليك من العجائب قصة الجنة
العجيبة ثم أخذ في بيان عجائبها بقوله (تجري) الخ.
قوله: (ولله المثل الأعلى) أي الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة
وقوله (مثلهم في التَّوْرَاة) أي صفتهم وشأنهم المتعجب منه.