ومنه ريب الزمان لنوائبه المقلقة ، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بظبي حاقف أي معوج مضطجع وهم محرومون فقال: لا يريبه أحد بشيء أي لا يزعجه . والحاصل أن الريب شك وزيادة ظن سوء ، فإن قلت: كيف نفي الريب على سبيل الاستغراق ، وكم من شقي مرتاب فيه؟ قلت: ما نفي أن أحداً لا يرتاب فيه وإنما المنفي كونه متعلقاً للريب ومظنة له لأنه من وضوح الدلالة وسطوع البرهان بحيث لا ينبغي لمرتاب أن يقع فيه ومثله {وإن كنتم فِي ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله} [البقرة: 23] لم يقل"وإذا كنتم"مع وقوع الشك منهم فِي الواقع دلالة على أن الشك فيه مما لا ينبغي أن يوجد إلا على سبيل الفرض والتقدير ، ولو فرض فوجه إزالته أن يجردوا أنفسهم ويبرزوا قواهم فِي البلاغة هل تتم للمعارضة أن تتضاءل دونها . فإن قلت: فهلا قدم الظرف على الريب كما قدم على الغول فِي قوله تعالى {لا فيها غَوْل} [الصافات: 47] قلنا: لأن المقصود منها ليس إلا نفي الريب عنه وإثبات أنه حق وصدق ، ولو عكس لأفاد ذلك مع ما ليس بمراد ولا هو بصادق فِي نفس الأمر وهو التعريض بأن ريباً فِي غيره من الكتب كما أن فِي قوله: {لا فيها غول} [الصافات: 47] تعريضاً بأن خمور الدنيا تغتال العقول . وقرأ أبو الشعثاء"لا ريب"فيه بالرفع . قيل: والفرق بينها وبين المشهورة ، أن المشهورة توجب الاستغراق ، وهذه تجوزه . ويمكن أن يقال: كلاهما يوجب الاستغراق إلا أن الأول بطريق نفي الماهية ، والثاني لأن قوله"لا ريب"جواب قول القائل هل ريب فيه ، وهذا يفيد ثبوت فرد واحد فنقيضه يكون سلب جميع الأفراد .
البحث الرابع فِي قوله"هدى للمتقين"وفيه مسائل: