فلو أتى بضوئهم لم يلزم ذهاب النور.
والمقصود إذهاب النور عنهم أصلاً ، ألا ترى كيف عقبه بقوله: {وتركهم فِي ظلمات} ؟ وإضافة النور إليهم من باب الإضافة بأدنى ملابسة ، إذ إضافته إلى النار هو الحقيقة ، لكن مما كانوا ينتفعون به صح إضافته إليهم.
وقرأ الجمهور: فِي ظلمات بضم اللام ، وقرأ الحس ، وأبر السماك: بسكون اللام ، وقرأ قوم: بفتحها.
وهذه اللغى الثلاث جائزة فِي جمع فعلة الاسم الصحيح العين ، غير المضعف ، ولا المعل اللام بالتاء.
فإن اعتلت بالياء نحو: كلية ، امتنعت الضمة ، أو كان مضعفاً نحو: دره ، أو معتل العين نحو: سورة ، أو وصفاً نحو: بهمة امتنعت الفتحة والضمة.
وقرأ قوم: إن ظلمات ، بفتح اللام جمع ظلم ، الذي هو جمع ظلمة.
فظلمات على هذا جمع جمع ، والعدول إلى الفتح تخفيفاً أسهل من ادعاء جمع الجمع ، لأن العدول إليه قد جاء فِي نحو: كسرات جمع كسرة جوازاً ، وإليه فِي نحو: جفنة وجوبا.
وفعلة وفعلة أخوات ، وقد سمع فيها الفتح بالقيود التي تقدمت ، وجمع الجمع ليس بقياس ، فلا ينبغي أن يصار إليه إلا بدليل قاطع.
وقرأ اليماني: فِي ظلمة ، على التوحيد ليطابق بين إفراد النور والظلمة وقراءة الجمع ، لأن كل واحد له ظلمة تخصه ، فجمعت لذلك.
وحيث وقع ذكر النور والظلمة فِي القرآن جاء على هذا المنزع من إفراد النور وجمع الظلمات.
وسيأتي الكلام على ذلك ، إن شاء الله.
ونكرت الظلمات ولم تضف إلى ضميرهم كما أضيف النور اكتفاء بما دل عليه المعنى من إضافتها إليهم من جهة المعنى واختصار اللفظ ، وإن كان ترك متعدياً لواحد فيحتمل أن يكون: فِي ظلمات ، فِي موضع الحال من المفعول ، فيتعلق بمحذوف ، ولا يبصرون: فِي موضع الحال أيضاً ، إما من الضمير فِي تركهم وإمّا من الضمير المستكن فِي المجرور فيكون حالاً متداخلة ، وهي فِي التقديرين حال مؤكدة.