أي تحلنا ألا ترى أن المعنى تصيرنا حلالاً غير محرمين ، وليست تدخل معهم فِي ذلك لأنها لم تكن حراماً ، فتصير خلالاً بعد ذلك ؟ ولكون الباء بمعنى الهمزة لا يجمع بينهما ، فلا يقال: أذهبت بزيد ، ولقوله تعالى: {تنبت بالذهن} فِي قراءة من جعله رباعياً تخريج بذكر فِي مكانه ، إن شاء الله تعالى.
ولباء التعدية أحكام غير هذا ذكرت فِي النحو.
وقرأ اليماني: أذهب الله نورهم ، وهذا يدل على مرادفة الباء للهمزة ، ونسبة الإذهاب إلى الله تعالى حقيقة ، إذ هو فاعل الأشياء كلها.
وفي معنى: {ذهب الله بنورهم} ثلاثة أقوال: قال ابن عباس: هو مثل ضرب للمنافقين ، كانوا يعتزون بالإسلام ، فناكحهم المسلمون ووارثوهم وقاسموهم الفيء ، فلما ماتوا سبلهم الله العز ، كما سلب موقد النار ضوءه ، وتركهم فِي ظلمات ، أي فِي عذاب.
الثاني: إن ذهاب نورهم باطلاع الله المؤمنين على كفرهم ، فقد ذهب منهم نور الإسلام بما أظهر من كفرهم.
الثالث: أبطل نورهم عنده ، إذ قلوبهم على خلاف ما أظهروا ، فهم كرجل أوقد ناراً ثم طفئت فعاد فِي ظلمة.
وهذه الأقوال إنما تصح إذا كان الضمير فِي بنورهم عائداً على المنافقين ، وإن عاد على المستوقدين ، فذهاب النور هو إطفاء النار التي أوقدوها ، ويكون بأمر سماوي ليس لهم فيه فعل ، فلذلك قال الضحاك: لما أضاءت النار أرسل الله عليها ريحاً عاصفاً فاطفأها ، وهذا التأويل يأتي على قول من قال: إنها نار حقيقة أوقدها أهل الفساد ليتوصلوا بها وبنورها إلى فسادهم وعبثهم ، فأخمد الله نارهم وأضل سعيهم ، وأما إذا قلنا إن ذكر النار هنا مثل لا حقيقة لها ، وإن المراد بها نار العداوة والحقد ، فإذهاب الله لها دفع ضررها عن المؤمنين.
وإذا كانت النار مجازية ، فوصفها بالإضاءة ما حول المستوقد هو من مجاز الترشيح ، وقد تقدم الكلام فيه.
وإذهاب النور أبلغ من إذهاب الضوء لاندراج الأخص فِي نفي الأعم ، لا العكس.