قال الشيخ سعد الدين: يعني أن قولهم للمؤمنين (آمنا) كلام مع المنكر ، وقد
ترك التأكيد ، وقولهم لشياطينهم (إنا معكم) كلام مع غير المنكر ، وقد أكد بـ"إنّ"
واسمية الجملة ، مع أن مقتضى البلاغة عكس ذلك.
والجواب: أن ترك التأكيد كما يكون لعدم الإنكار فقد يكون لعدم الباعث والمحرك من جهة المتكلم ، ولعدم الرواج والقبول من جهة السامع ، وكذلك التأكيد
كما يكون لإزالة الشك ، ونفي الإنكار من السامع ، فقد يكون لصدق الرغبة ، ووفور
النشاط من المتكلم ، ونيل الرواج والقبول من السامع ، فلذا جاء (آمنا) بالجملة
الفعلية من غير تأكيد ، و (إنا معكم) بالجملة الاسمية مؤكدة ب"إنّ".
قوله: (تأكيد لما قبله) إلى آخره.
قال الشريف: لا شبهة فِي أن معنى قولهم (إنا معكم) هو الثباب على اليهودية ،
وليس (إنما نحن مستهزؤون) بظاهره تقريرا وتأكيدا لهذا المعنى ، فاعتبر منه لازما
يؤكده ، وهو أنه رَد ونَفيٌ للإسلام ، فيكون مقررا للثبات عليها ، لأن رفع نقيض الشيء
تأكيد لثباته.
قوله: (أو بدل منه) إلى آخره
قال الشريف: بيانه أنهم قصدوا تصلبهم فِي دينهم ، وكان فِي الكلام الأول نوع
قصور عن إفادته ، إذ كانوا فِي الظاهر يوافقون المؤمنين فِي بعض الأمور ، فاستأنفوا
القصد إلى ذلك بأنهم يعظمون كفرهم بتحقير الإسلام وأهله ، فهم أرسخ قدما فيه
من شياطينهم.
قال: والحمل على الاستئناف أوجه ، لكثرة الفائدة ، وقوة المحرك للسؤال.
قال: وهذه الوجوه الثلاثة بيان لترك العاطف بين الجملتين فِي كلامهم.
قال الطيبي: الفرق بين هذا الوجه - وهو البدل - وبين الأول - وهو كونه
تأكيدا - أنه اعتبر فِي الأول مفهوم الثاني ، لتقرير المعنى الأول ، واعتبر فِي هذه
العبارةُ والمفهومُ معا ، ولا بعد فيه ، لأن الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة.
وقال الشيخ سعد الدين: لما لم يكن ظاهر كونهم مستهزئين تكريرا وتقريرا