89 -قوله تعالى: {وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا} ، معنى العود هاهنا: الابتداء كما ذكرنا، والذي عليه أهل العلم والسنة في هذه الآية: إن شعيبًا وأصحابه قالوا: ما كنا لنرجع في ملتكم بعد إذ وقفنا على أنها ضلالة تُكسبُ دخول النار إلا أن يريد الله إهلاكنا، فأمورنا راجعة إلى الله، غير خارجة عن قبضته، يسعد من يشاء بالطاعة، ويشقي من يشاء بالمعصية، وهذا من شعيب وقومه استسلام للمشيئة، ولم يزل الأنبياء والأكابر يخافون العاقبة وانقلاب الأمر، ألا ترى إلى قول الخليل عليه السلام {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35] ، وكثيرًا ما كان يقول نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -:"يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك وطاعتك".
وقال أبو إسحاق: (المعنى: وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يكون قد سبق في علم الله جل وعز وفي مشيئته أن نعود فيها. وتصديق ذلك قوله: {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} ، قال: وهذا مذهب أهل السنة) ، ثم ذكر وجهين آخرين، هما من قول من لا يؤمن بإرادة الله تعالى الخير والشر:
أحدهما: إن هذا على طريق التبعيد، كما يقال: لا نفعل ذلك إلا أن يبيض القار ويشيب الغراب، وهذا لا يصح مع قوله: {يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ} [المدثر: 31] ، وقوله: {مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ} [الأنعام: 39] ، وآيات كثيرة تصرح بأن الله تعالى يشاء [كل] ما يحدث في العالم.
والثاني: أن في ملتهم ما يجوز التعبد به من وجوه البر الذي كانوا يتقربون به إلى الله تعالى، ويكون معنى الآية: وما يكون لنا أن نعود في بعض ملتكم، وفي معنى من معاني شرائعكم إلا أن يردنا الله إليه بأن يتعبدنا به).
قال ابن الأنباري: (و هذا قول مُتَنَاولُهُ بعيد؛ لأن فيه تبعيض الملة) .