{وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) }
إلى قوله تعالى:
{وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102) }
التفسير: إنه سبحانه لما عرّفنا أحوال هؤلاء الأنبياء وما جرى على أممهم ذكر ما يدل على أن هذا الجنس من الهلاك قد فعله بغيرهم وليس مقصوراً عليهم، وبيّن العلة التي لأجلها فعل بهم ما فعل. والقرية مجتمع القوم فتشمل المدينة أيضاً وتقدير الكلام: وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء. قال الزجاج: البأساء
الشدة في الأموال والضراء الأمراض في الأبدان. وقيل بالعكس {لعلهم يضرعون} أي يتضرعون فأدغم التاء في الضاد والمعنى: ليحطوا أردية التعزز والاستكبار ويتبعوا نبيهم. ثم بيّن أن تدبيره في أهل القرى لا يجري على نمط واحد فقال {ثم بدلنا مكان السيئة} وهي كل ما يسوء صاحبه {الحسنة} وهي ما يستحسنه الطبع والعقل أي أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من الفقر والضر السعة والصحة {حتى عفوا} كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم من قولهم عفا النبات والشحم والوبر ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:"وأعفوا اللحى" {وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء} كما هو دأب الأشرين يقولون هذه عادة الدهر في أهله يوم محنة ويوم منحة. والمراد أنهم لم ينتفعوا بتدبير الله تعالى فيهم من رجاء بعد شدّة وأمن بعد خوف وراحة بعد عناء {فأخذناهم بغتة} آمن ما كانوا عليه ليكون ذلك أعظم من الحسرة {وهم لا يشعرون} بنزول العذاب. والحكمة في جميع هذه الحكايات اعتبار من سمعها ووعاها وتعريف أن العصيان سبب الحرمان عن الخيرات وسد لجميع أبواب السعادات ولهذا قال {ولو أن أهل القرى} أي جنسها أو القرى المذكورة في قوله وما أرسلنا في قرية {آمنوا} بما يجب به الإيمان في باب المبدأ والمعاد {واتقوا} كل ما نهى الله عنه {لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} أي لأتيناهم بالخير من كل وجه أو أراد القطر والنبات.