(فصل في الرد على الملحدين)
قال الباقلاني:
{وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي ... (143) }
وقال: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ... (260) }
فإن قالوا: فقد سأل موسى عليه السلام مثل ذلك في قوله: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} فلم يجبه وقال: {لن تراني} ، يقال لهم: قد يجوز أن تكون إجابة إبراهيم إلى ما سأل من مصالحه أو مصالح بعض أمته، وأن تكون إجابة موسى إلى ما سأل عنه ليس من مصالحه ومصالح أحد من قومه، ويجوز أن يمنع موسى لأنّه أراد منعه، وأجاب إبراهيم لأنّه أراد إجابته، ولو منعهما جميعا أو أجابهما لكان ذلك جائزا، على أن إبراهيم لم يسل إزالة المحنة جملة، وإنّما سأل إزالة المحنة بالنظر في إثبات القدرة على إحياء الموتى فقط، وموسى سأل رؤية الله ببصره، وفي ذلك زوال المحنة والتكليف جملة، فبطل ما اعترضوا به.
{فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) }
فأمّا تعلّقهم في قوله تعالى في قصة موسى: {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} ، فإنّه أراد المصدّقين بأنّ أحدا لا يراك في الدنيا، لأنّه قال: {تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} يعني من سؤاله الرؤية، والقصة تشهد بذلك، والتوبة هاهنا الرجوع عن المسألة فقط، لا على أنّ ذلك ذنب قبيح تجب التوبة منه، والنّدم عليه الذي هو الإقلاع عن الذنب، وقوله في قصة السّحرة: {أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 51] يعني المصدّقين بموسى ونبوته، وما جاء به، وقوله في قصة محمد صلّى الله عليه: {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 163] يعني أنه أوّل المسلمين من أهل مكة، فلا تناقض في ذلك ولا تضادّ. انتهى انتهى {الانتصار للقرآن، للباقلاني} ...