فصل
قال الشوكاني فِي الآيات السابقة:
{قَالَ فِرْعَوْنُ آَمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) }
قوله: {آمَنتُمْ بِهِ} قرئ بحذف الهمزة على الإخبار وبإثباتها.
أنكر على السحرة فرعون إيمانهم بموسى قبل أن يأذن لهم بذلك، ثم قال بعد الإنكار عليهم، مبيناً لما هو الحامل لهم على ذلك في زعمه {إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى المدينة} أي حيلة احتلتموها أنتم وموسى عن مواطأة بينكم سابقة {لِتُخْرِجُواْ} من مدينة مصر {أَهْلِهَا} من القبط، وتستولوا عليها وتسكنوا فيها أنتم وبنو إسرائيل.
ومعنى {فِى المدينة} أن هذه الحيلة والمواطأة كانت بينكم، وأنتم بالمدينة، مدينة مصر، قبل أن تبرزوا أنتم وموسى إلى هذه الصحراء.
ثم هدّدهم بقوله: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} عاقبة صنعكم هذا، وسوء مغبته، ثم لم يكتف بهذا الوعيد المجمل، بل فصّله فقال: {لأقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ} أي الرجل اليمنى واليد اليسرى، أو الرجل اليسرى واليد اليمنى، ثم لم يكتف عدوّ الله بهذا، بل جاوزه إلى غيره فقال: {ثُمَّ لاَصَلّبَنَّكُمْ} في جذوع النخل، أي أجعلكم عليها مصلوبين زيادة تنكيل بهم، وإفراطاً في تعذيبهم، وجملة {قَالُواْ إِنَّا إلى رَبّنَا مُنقَلِبُونَ} استئنافية جواب سؤال كما تقدّم، ومعناه: إنك وإن فعلت بنا هذا الفعل، فبْعَدْه يومُ الجزاء سيجازيك الله بصنعك، ويحسن إلينا بما أصابنا في ذاته، فتوعدوه بعذاب الله في الآخرة، لما توعدهم بعذاب الدنيا، ويحتمل أن يكون المعنى: {إِنَّا إلى رَبّنَا مُنقَلِبُونَ} بالموت، أي لا بدّ لنا من الموت، ولا يضرّنا كونه بسبب منك.
قوله: {وَمَا تَنقِمُ مِنَّا} قرأ الحسن بفتح القاف.