فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 173211 من 466147

(فصل)

قال السُّهْرَوَرْدي:

وقد سئل الجنيد عن الأنس: فقال: ارتفاع الحشمة مع وجود الهيبة.

وسئل ذو النون عن الأنس؟ فقال: هو انبساط المحب إلى المحبوب. قيل: معناه قول الخليل: {أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} (البقرة: الآية 260) وقول موسى: {أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} (الأعراف: الآية 143) وأنشد لرويم:

شغلت قلبي بما لديك فلا ... ينفك طول الحياة عن فكرِ

آنستني منك بالوداد فقد ... أوحشتني من جميع ذا البشرِ

ذكرك لي مؤنس يعارضني ... يوعدني عنك منك بالظفرِ

وحيثما كنت يا مدى هممي ... فأنت مني بموضع النظرِ

وروي أن مطرف ابن الشخير كتب إلى عمر بن عبد العزيز: ليكن أنسك بالله وانقطاعك إليه، فإنّ لله عباداً استأنسوا بالله وكانوا في وحدتهم أشد استئناساً من الناس في كثرتهم، وأوحش ما يكون آنس ما يكونون، وآنس ما يكون الناس أوحش ما يكونون.

قال الواسطي: لا يصل إلى محل الأنس من لم يستوحش من الأكوان كلها.

وقال أبو الحسين الوراق: لا يكون الأنس بالله ومعه التعظيم، لأن كل من استأنست به سقط عن قلبك تعظيمه إلا الله تعالى، فإنك لا تتزايد به أنساً إلا ازددت منه هيبة وتعظيماً.

قالت رابعة: كل مطيع مستأنس.

وأنشدت:

ولقد جعلتك في الفؤاد مُحدِّثي ... وأبحت جسمي من أراد جلوسي

فالجسم مني للجليس مؤانسٌ ... وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي

وقال مالك بن دينار: من لم يأنس بمحادثة الله عن محادثة المخلوقين فقد قل عمله وعمي قلبه وضيع عمره.

قيل لبعضهم: من معك في الدار؟ قال: الله تعالى معي ولا يستوحش من أنس بربه.

وقال الخراز: الأنس محادثة الأرواح مع المحبوب في مجالس القرب.

وصف بعض العارفين صفة أهل المحبة الواصلين فقال: جدد لهم الود في كل طرفة بدوام الاتصال، وآواهم في كنفه بحقائق السكون إليه حتى أنت قلوبهم وحنت أرواحهم شوقاً.

وكان الحب والشوق منهم إشارة من الحق إليهم عن حقيقة التوحيد وهو الوجود بالله، فذهبت مناهم وانقطعت آمالهم عنده لما بان منه لهم، ولو أن الحق تعالى أمر جميع الأنبياء يسألون لهم ما سألوه بعض ما أعد لهم من قديم وحدانيته ودوام أزليته وسابق علمه، وكان نصيبهم معرفتهم به وفراغ همهم عليه واجتماع أهوائهم فيه، فصار يحسدهم من عبيده العموم: أن رفع عن قلوبهم جميع الهموم وأنشد في معناه:

كانت لقلبي أهواء مفرقة ... فاستجمعت إذ رأتك النفس أهوائي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت