قوله تعالى: {واختار موسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا}
مفعولان، أحدهما حذفت منه مِن؛ وأنشد سيبوية:
مِنّا الذي اختير الرجالَ سَماحةً ... وبِرَّاً إذا هَبّ الرِّياح الزَّعازِع
وقال الراعي يمدح رجلاً:
اخترتك الناسَ إذ رَثّت خلائقُهُم ... واختل مَن كان يرجى عنده السُّولُ
يريد: اخترتك من الناس.
وأصل اختار اختير؛ فلما تحرّكت الياء وقبلها فتحة قلبت ألفاً، نحو قال وباع.
قوله تعالى: {فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرجفة} أي ماتوا.
والرجفة في اللغة الزلزلة الشديدة.
ويروى أنهم زلزلوا حتى ماتوا.
قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ} أي أمَتّهم؛ كما قال عز وجل: {إِن أمرؤ هَلَكَ} [النساء: 176] .
"وإياي"عطف.
والمعنى: لو شئت أمتَّنَا من قبل أن نخرج إلى الميقات بمحضر بني إسرائيل حتى لا يتهموني.
أبو بكر بن أبي شيبة: حدّثنا يحيى بن سعيد القَطّان عن سفيان عن أبي إسحاق عن عمارة بن عبد عن عليّ رضي الله عنه قال: انطلق موسى وهارون صلى الله عليهما وانطلق شَبّر وشَبير هما ابنا هارون فانتهوا إلى جبل فيه سرير، فقام عليه هارون فقُبض روحه.
فرجع موسى إلى قومه، فقالوا: أنت قتلته، حسدتنا على لِينه وعلى خُلُقه، أو كلمة نحوها.
الشك من سفيان، فقال: كيف أقتله ومعي ابناه! قال: فاختاروا من شئتم؛ فاختاروا من كل سِبْط عشرة.
قال: فذلك قوله: {واختار موسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لميقاتنا} فانتهوا إليه؛ فقالوا: مَن قتلك يا هارون؟ قال: ما قتلني أحد ولكن الله توفّاني.
قالوا: يا موسى، ما تُعْصَى.
فأخذتهم الرجفة، فجعلوا يتردّدون يميناً وشمالاً، ويقول: {لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهآء مِنَّآ إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} .