[من روائع الأبحاث الجامعة والقيمة والنفيسة]
(شبهة: تأنيث العدد وجمع المعدود)
نص الشبهة: قال تعالى: {وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا} (الأعراف: 160) ، وكان يجب أن يُذَكَّرَ العَدَدُ ويأتي به مفردًا فيقول: اثني عشر سبطًا.
والجواب من عدة وجوه:
الوجه الأول: الإعراب جاء على المعنى لا اللفظ.
فالحمل على المعنى قد ورد به القرآن وفصيح الكلام منثورًا ومنظومًا، كتأنيث المذكر وتذكير المؤنث. . .
قال الفراء: قال تعالى:"اثنتي عشرة"، والسبط (2) ذُكِّر؛ لأن بعده أمم، فذهب التأنيث إلى الأمم، ولو كان (اثني عشر) لتذكير السبط كان جائزًا.
وهو مثل قول الشاعر:
وإنَّ كلابًا هذه عشر أبطنٍ ... وأنت بريء من قبائلها العشر (4)
ذهب بالبطن إلى القبيلة والفصيلة؛ فلذلك جمع البطن بالتأنيث.
فإن قلت: مميز ما عدا العشرة مفرد، فما وجه مجيئه مجموعًا؟ وهلّا قيل: اثني عشر سبطًا؟
قلت: لو قيل ذلك لم يكن تحقيقًا؛ لأنّ المراد: وقطعناهم اثنتي عشرة قبيلة، وكل قبيلة أسباط لا سبط، فوضع أسباطًا موضع قبيلة، ونظيره:
.. . بينَ رِمَاحِيْ مَالِكٍ وَنَهْشَلِ.
و (أُمَمًا) بدل من اثنتي عشرة بمعنى: وقطعناهم أممًا؛ لأنّ كل أسباط كانت أمة عظيمة وجماعة كثيفة العدد، وكل واحدة كانت تؤم خلاف ما تؤمّه الأخرى، لا تكاد تأتلف.
ويكون المعنى: وقطعناهم اثنتي عشرة فرقةً أممًا.
ونظيرُ وصف التمييز المفرد بالجمع مراعاةً للمعنى قولُ الشاعر:
فيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سودًا كخافِيةِ الغراب الأسحم.
ولم يقل: سوداء.
فوصف (حلوبة) وهي مفردةٌ لفظًا بـ (سُوْدًا) وهو جمع مراعاةً لمعناها، إذ المرادُ الجمع.
الوجه الثاني: يوجد تقديم وتأخير في الآية.
وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديرها: وقطعناهم أسباطًا أممًا اثنتي عشرة، والأسباط: القبائل واحدها: سبط.
الوجه الثالث: (أسباطًا) بدل لا تميز.
المعنى: قطعناهم اثنتي عشرة فرقة، أسباطًا من نعت فرقة، كأنه قال: جعلناهم أسباطًا وفرقناهم أسباطًا، فيكون أسباطًا بدلًا من اثنتي عشرة؛ وهو الوجه.
وقوله: (أممًا) من نعت أسباطًا.