قوله تعالى: {ولو شئنا لرَفَعْناه بها}
أفاد أن تلك الآيات شأنها أن تكون سبباً للهداية والتزكية، لو شاء الله له التوفيق وعصمه من كيد الشيطان وفتنته فلم ينسلخ عنها، وهذه عبرة للموفقين ليعلموا فضل الله عليهم في توفيقهم، فالمعنى: ولو شئنا لزاد في العمل بما آتيناه من الآيات فلرَفعه الله بعلمه.
والرفعة مستعارة لكمال النفس وزكائها، لأن الصفات الحميدة تُخيل صاحبها مرتفعاً على من دونه، أي لو شئنا لاكتسب بعمله بالآيات فضلاً وزكاء وتميزاً بالفضل، فمعنى لرفعناه ليسرّنا له العمل بها الذي يشرُف به.
وقد وقع الاستدراك على مضمون قوله: {ولو شئنا لرفعناه بها} بذكر ما يناقض تلك المشيئة الممتنعة، وهو الاستدراك بأنه انعكست حاله فأخلد إلى الأرض، أي ركن ومال إلى الأرض، والكلام تمثيل لحال المتلبس بالنقائص والكفر بعد الإيمان والتقوى، بحال من كان مرتفعاً عن الأرض فنزل من اعتلاء إلى أسفل، فبذكر الأرض عُلمَ أن الإخلاد هنا ركون إلى السفل أي تلبس بالنقائص والمفاسد.
واتباع الهوى ترجيح ما يحسن لدى النفس من النقائص المحبوبة، على ما يدعو إليه الحق والرشد، فالاتباع مستعار للاختيار والميل، والهوى شاع في المحبة المذمومة الخاسرة عاقبتها.
وقد تفرع على هذه الحالة تمثيله بالكلب اللاهث، لأن اتصافه بالحالة التي صيرته شبيهاً بحال الكلب اللاهث تفرع على إخلاده إلى الأرض واتباع هواه، فالكلام في قوة أن يقال: ولكنه أخلد إلى الأرض فصار في شَقاء وعناد، كمثل الكلب إلخ.
واستعمال القرآن لفظ المثل بعد كاف التشبيه مألوف بأنه يراد به تشبيه الحالة بالحالة، وتقدم قوله تعالى؛