{أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (184) }
وهنا يُنَبّه الحقُّ سبحانه وتعالى كلَّ الخلق أن يتفكروا في أمر الرسول المبلغ الذي ينقلُ عن القوة العليا مرادَها من الخلق. وأول ما يستحق التفكير فيه أن نعرف هل هذا الإنسان الذي يقول عنه رسول صادق أو غير صادق؟ ولقد ثبت صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل نزول الرسالة عليه، وجاءت الرسالة لتأخذ بيد الخلق إلى الإيمان بالله. لكنهم لا يريدون أن يسمعوا، ليوجدوا لأنفسهم مبررات بالنكوص عن المنهج، فقال بعضهم اتهاما للرسول: إنه مجنون، مثلما قال بعضهم من قبل: إنه ساحر، وكاهن، وقالوا: شاعر، ويرد ربنا على كل تلك الأقاويل.
ونتساءل: من هو المجنون؟.
نعلم أن المجنون هو من فقد التوازن الفكري في الاختيار بين البدائل، وحين يأخذ منه هذه القدرة على التوازن الفكري، يصبح غير أهل للتكليف؛ لأن التكليف فيه اختيار أن تفعل كذا ولا تفعل كذا، والمجنون لا يملك القدرة على هذا الترجيح.
والحق سبحانه وتعالى لم يكلف الإنسان إلا حين يبلغ ويعقل؛ لأنه حين يبلغ تصير له ذاتية مستقلة عن أهله وعن أبيه وأمه؛ لذلك نلاحظ الطفل وهو صغير يختار له والدهُ أو والدتُه الملابس والطعام، وبعد أن يكبر نجد الطفل قد صار مراهقاً يتمرد ويقرر أن يختار لنفسه ما يريده لأنه قد صارت له ذاتية، والذاتية - كما نعلم - توجد في النبات وفي الحيوان والإنسان وذلك بمجرد أن يصير الفرد منها قادراً على إنجاب مثله، سواء كان هذا الفرد من النبات أو الحيوان أو الإنسان. أما إن كان الإنسان قد صارت له ذاتية في الإنجاب والنسل، وليست له ذاتية ناجحة عاقلة في التفكير؛ فهنا يسقط عنه التكليف؛ لأنه مكره بفقدان العقل.