(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
لَيْسَ الذاكر من قَالَ سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَقَلبه مُصرٌّ على الذُّنُوب وَإِنَّمَا الذاكر من إِذا هم بِمَعْصِيَة ذكر مقَامه بَين يَدي علام الغيوب كَمَا قَالَ بعض السّلف لَيْسَ الذاكر من هَمهم بِلِسَانِهِ وَإِنَّمَا الذاكر من إِذا جلس فِي سوقه وَأخذ يزن بميزانه علم أن الله مطلع عَلَيْهِ فَلم يَأْخُذ إِلَّا حَقًا وَلم يُعْط إِلَّا حَقًا فَمَا يَنْبَغِي للعباد أَن ينشغلوا عَن الْمُنعم بِشَيْء من نعمه وَلَا يلتهوا عَنهُ بِشَيْء من كرمه الله أَحَق أَن نختاره على مَا سواهُ الله مَوْلَانَا وَمَا أولى بِالْخَيرِ من كَانَ الله مَوْلَاهُ يَا ليتنا عقلنا عَن الله وَلَو حرفا من خطابه يَا ليتنا قربنا من الله وَلَو عرض شعره من عَزِيز جنابه إِنَّمَا يفهم مَا أَقُول أَرْبَاب الفطن والعقول إِنَّمَا يشرب من هَذَا الشُّمُول هُوَ برداء التَّوْفِيق مشمول
اسْمَع مَا أَقُول فَهُوَ جميل لَا يضر عَنهُ مَا يَقُول الجهول
كل شَيْء شغول فَهُوَ للنَّفس عول عَن ذكر لمولى ملكه مَا يَزُول
قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم"ملعونة هِيَ الدُّنْيَا مَلْعُون مَا فِيهَا إِلَّا ذكر الله وعالما ومتعلما"
كَيفَ لَا تكون الدُّنْيَا ملعونة وَهِي عَن ذكر الله شاغلة وَلمن نظر إِلَيْهَا فاتنة، [[وَلمن ركن إِلَيْها قاتلة، استصحبها غاشة وَلمن استنصرها خاذلة] ] الدن حب وَالْمَعْصِيَة فخ والشيطان صياد وَالْإِنْسَان طَائِر فَمَتَى أكب الْإِنْسَان على الْتِقَاط حلالها فيوشك أن يَقع فِي حرامها وَمَتى وَقع فِي حرامها فقد استحوذ عَلَيْهِ قناصه وَتعذر عَلَيْهِ إِلَّا من جِهَة التَّوْبَة خلاصه فَكيف السَّبِيل إِلَى الْخَلَاص مِنْهَا ورضيعها لَا يُمكنهُ الْفِطَام عَنْهَا؟