[من روائع الأبحاث]
(فصل: فِي حجة القراءات فِي السورة الكريمة)
قَالَ الإمامُ أَبُو عَلِيٍّ الفارسيُّ:
[ذكر اختلافهم في] سورة الأنفال
[الأنفال: 9]
اختلفوا في فتح الدال وكسرها من قوله جلّ وعز:
مردفين [الأنفال/ 9] .
فقرأ نافع وحده: مردفين بفتح الدال، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو، وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: مردفين [بكسر الدال] ، وروى المعلّى بن منصور عن أبي بكر عن عاصم مردفين بفتح الدال.
قال أبو علي: من قال مردفين احتمل وجهين: أحدهما أن يكونوا مردفين مثلهم. كما تقول: أردفت زيدا دابّتي، فيكون المفعول الثاني محذوفا في الآية، وحذف المفعول كثير.
والوجه الآخر في مردفين: أن يكونوا جاءوا بعدهم.
قال أبو الحسن: تقول العرب: بنو فلان يردفوننا، أي:
يجيئون بعدنا.
قال أبو عبيدة: مردفين: جاءوا بعد، وردفني، وأردفني واحد، وهذا الوجه كأنّه أبين لقوله: إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين [الأنفال/ 9] أي: جائين بعد لاستغاثتكم ربّكم، وإمداده إياكم بهم، فمردفين على هذا صفة للألف الذين هم الملائكة.
ومردفين: على أردفوا الناس أي: أنزلوا بعدهم، فيجوز على هذا أن يكون حالا من الضمير المنصوب في ممدّكم مردفين بألف من الملائكة.
[الأنفال: 11]
اختلفوا في قوله [جل وعز] : إذ يغشاكم النعاس [الأنفال/ 11] فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: إذ يغشاكم النعاس بفتح الياء [وجزم الغين] وفتح الشين، [وألف بعدها] النعاس رفعا.
وقرأ نافع: يغشيكم بضم الياء وجزم الغين وكسر الشين النعاس نصبا.
وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: يغشيكم بضم الياء وفتح الغين مشدّدة الشين مكسورة: النعاس بنصب السين.
قال أبو علي: حجّة من قرأ يغشاكم قوله سبحانه:
أمنة نعاسا يغشى [آل عمران/ 154] ، فكما أسند الفعل إلى النعاس أو الأمنة التي هي من النعاس، كذلك على هذا: إذ يغشاكم النعاس.