ومن لطائف ونكات العز بن عبد السلام:
سورة الأنفال (8)
قوله عز وجل: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} ... (8: 17) .
مشكل، لأن القاعدة أن اللفظ المجازي يلزمه صحة السلب. والحقيقي يلزمه عدم صحة السلب. فإذا رأى رجلاً شجاعًا، فقال:"رأيت أسدًا"يصح أن يسلب، فيقول: ما رأيت أسدا. وإذا رأى الحيوان المفترس، فقال: رأيت أسدا، فلا يصح أن يقول: ما رأت أسدا، ولا شك أن الرمي حقيقة فيما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف يصح سلبه؟
والجواب: أن المراد بالرمي هاهنا، المرتب على الرمي وهو: الوصول إلى الكفار. ولا خفاء أن وصول المرمى به إلى المرمى إليه ليس الرمي حقيقة فيه، بدليل قولنا:"رميته وما وصل إليه". فالذي ورد عليه السلب هاهنا مجاز لا حقيقة. وتقدير الكلام من ثلاثة أوجه:
أحدها: ما رميت خلقا إذ رميت كسبا. الثاني: وما أوصلت إلى أعينهم إذ شرعت فيه. الثالث: وما رميت مجازا إ ذ رميت حقيقة.
قوله عز وجل: {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} (8: 23) .
المراد"بالخير"هاهنا الإيمان. وعبر بالسماع عن التصديق بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو سبب عن العلم الذي هو سبب عن السماع، لأنهم كانوا يسمعون ويعلمون مدلول الكلام.
سؤال: إذا خلق لهم التصديق كيف لا يكونون مؤمنين ويتولون معرضين؟
الجواب: لتولوا بظواهرهم لا بقلوبهم كأبي طالب واليهود.
سؤال: إذا جعلتم الخير بمعنى التصديق أيكون الشيء مشروطًا بنفسه؟
الجواب: يجعل أحدهما غير الآخر، فيجعل الإيمان ببعض المطلوبات إما التوحيد أو غيره شرطا، وما عداه هو المشروط.
قوله عز وجل: [[ {ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله} ... (40: 22) ] ]. انتهى انتهى {فوائد في مشكل القرآن، للعز بن عبد السلام. ص/ 125 - 127} ...