وقال الشيخ/ عبد الرحمن حَبَنَّكَة:
سورة الأنفال
{إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ... (19) }
قول الله عزَّ وجلَّ في سورة الأنفال خطاباً للكافرين: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ...} .
أي: إنْ تَدْعُو الله بأنْ يَنْصُرَكم على الرسول والذين آمَنُوا معه، فَقَدْ جَاءَكم النَّصْرُ ولكن على غير ما تطلبُون، لقد جاءكم نَصْرُ الله لرسوله والّذين آمنوا معه عليكم.
فجاء قبول ظاهرة دُعائهم بالنّصر ولكن بعد حمله على غير ما طلبوا فيه، لقد طلبوا مجيء النّصر فجاءهم النّصر للمؤمنين عليهم.
(فائدة)
{إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح ...}
أي: إن تطلبوا الفتح فقد جَاءَكَمُ الفتح، وكان مقتضى الظاهر أن يكتفى بالضمير فيقال:"إن تستفتحوا فقد جاءكم"ولكن جيء بالاسم المظهر للتهكم بهم، لأنّ الفتح وهو النصر الذي جاءهم كان عليهم ولصالح المسلمين ..
فحلَّتْ بكُمُ الهزيمة والذّلّة.
فهذا من استعمال الضدّ للدلالة به على ضدّه.
{ياأيها الذين آمنوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا واذكروا الله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ (45) }
إنّ عبَارَةَ: {لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ} هي بمعنى لِتُفْلِحُوا على سبيل الرّجاء.
لقد تَمَّ المطلوب بعبارة {فاثبتوا واذكروا الله كَثِيراً} لَكِنْ جاء التعليل بعدها لتوليد الدافع الذاتي للعمل بهذا المطلوب.
فزيادة التعليل قد كانت إطناباً نافعاً.
{وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ سبقوا إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ (59) }
ومن الأمثلة القرآنية على تَعَدُّد الهدف من النصّ قول الله عزّ وجلّ في سورة الأنفال: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ سبقوا إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ} [الآية: 59] .
ففي هذا النصّ هدف إلقاء الوهن في قُلوب الكافرين، ولو عظمت قوّاتُهم. وهدف رفع مستوى القوى المعنوية في قلوب المؤمنين، وشحذُ همّتهم لإعداد القوى المادية التي يسبقون بها الذين كفروا تمهيداً للتكليف بإعداد المستطاع من القوة الذي جاء في الآية التالية لهذا النص. انتهى انتهى {البلاغة العربية، لحَبَنَّكَة} ...