قَوْلُه تَعَالَى: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ
مُرْدِفِينَ (9)
قوله: (بدل من إِذْ يَعِدُكُمُ) ولذا ترك العطف وكونه بدلًا بناء عَلَى أن الْمُرَاد وقت متسع
فلا يضره كون الوعد الْمَذْكُور والاستغاثة الْمَذْكُورة في وقت مغاير لوقت الآخر. قيل وهو
يحتمل بدل الكل إن جعلا متسعَين وبدل البعض إن جعل الأول متسعًا، والثاني معيارًا انتهى. وهو
تكلف لأنه إذا سوغ اعتبار الوقت المتسع فلا يحسن حمله في الثاني عَلَى المعيار مع أنه ليس
أولى من عكسه ويؤدي كونه بدل بعض تقدير الضَّمير الراجع إلَى المبدل منه.
قوله: (أو معلق بقوله:(لِيُحِقَّ الْحَقَّ) عَلَى الظرفية ولما اعترض
عليه بأن قَوْلُه تَعَالَى: (لِيُحِقَّ) مستقبل لأنه منصوب بأن فلا يمكن عمله في
إذ لأنه ظرف لما مقتضى. أجيب تارة بأن كونه مستقبلًا إنما هُوَ بالنسبة إلَى زمان ما هُوَ غاية
له من الْفعْل المقدر لا بالنسبة إلَى زمان الاستغاثة حتى لا يعمل فيه بل هما في وقت واحد
وإنما عبر عن زمانها بـ إذ نظرًا إلَى زمان النزول وصيغة الاسْتقْبَال وتستغيثون لحكاية الحال
الْمَاضية لاسْتحْضَار صورتها العجيبة. وأُجيب تارة بأنه عَلَى ما ذهب إليه بعض النحاة كابن
مالك من أنها تكون بمعنى؛ إذ للمستقبل كما في قَوْله تَعَالَى: (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ(70)
إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ). وقد يجعل من التَّعْبير عنه بالْمَاضي لتحققه فتأمل
انتهى. ولا يخفى ضعفه لأن فيه تسليمًا بأن مستقبلية (لِيُحِقَّ) بالنسبة إلَى زمان الاستغاثة وقد بانَ
فساده. والْجَوَاب الأول هُوَ المعول، وإنَّمَا أخَّره لأن تَقْييد الإحقاق والإبطال بزمان الاستغاثة
ليس بمناسب وإن صح باعْتبَار المبتدئية.
قوله: (أو عَلَى إضمار اذْكُرُوا) عطف عَلَى متعلق معنى؛ إذ تقديره أنه منصوب عَلَى
التعلق بقوله (لِيُحِقَّ الْحَقَّ) أو منصوب عَلَى إضمار اذْكُرُوا فحِينَئِذٍ لا يكون من تتمة ما قبلها
بل يكون كلامهًا مستأنفًا، وإنما أخَّره لاحتياجه إلَى حذف عامل في الْكَلَام مع إمكان توجيهه
بلا حذف في الْكَلَام وإن الْمُتَبَادَر في مثل هذا الاتصال بما قبله.
قوله: (واستغاثتهم أنهم لما علموا) واستغاثتهم مبتدأ خبره أنهم لما علموا الخ.
الاستغاثة طلب الغوث وهو التخلص من الشدة وهو متعد بنفسه ولم يقع في الْقُرْآن إلا كَذَلكَ
وقد يتعدى بالحرف كقوله:
حتَّى استغاثتْ بماءٍ لا رشاءَ لهُ ... مِنَ الأباطِحِ في حافاتِهِ البُرَكُ
وكذا استعمله سيبَوَيْه رحمه الله فلا عبرة حِينَئِذٍ بتخطئة ابن مالك للنحاة في قولهم المستغاث له أو
به كذا قيل، وأنت خبير بأن الْمَعْنَى إذا كان متحدًا في الاسْتعْمَالَين يَنْبَغي إما أن يحمل المتعدي
بنفسه عَلَى الحذف والإيصال أو أن يحمل حرف الجار عَلَى الصلة والزّيَادَة.
قوله: (أن لا محيص من القتال) لا خلاص.
قوله: (أخذوا يقولون) أخذوا أي شرعوا.
قوله: (أي رب انصرنا على عدوك أغثنا يا غياث المستغيثين) الغياث بمعنى المعين
واسم له.